الراتب والعيد! | 28 نوفمبر

الراتب والعيد!

جمعة, 23/06/2017 - 23:19

دلفت البنك صباح اليوم لسحب "طرنيشة" العيد، الحمد لله أن الراتب دخل مبكرا للحساب دخول الأبطال ، لكنه سيهزم ويضمحل إن أنا دخلت به سوق الرغبات.
رائحة النقود كانت تفوح من بين أروقة المبنى، الطابور كان طويلا ومتعرجا في باحة البنك، كان معظم الواقفين من عمال الدولة البسطاء، عمال يرتدون قمصانا تزينت بطابع شركة الصناعة والمناجم (سنيم)، وقمصانا أخرى كتبت عليها المدرسة البحرية، أما العسكريون فصنعوا طابورا خاصا بهم، يفصلهم عن طابور المدنيين والنساء.
كانت قصص الناس الجانبية تشبه تلك الأوراق النقدية الرثة، فقد تبين لي عند سماع بعضها؛ أن أيادي المحن قد تداولتها أيضا لسنوات طويلة جدا!
تفحصت المنافذ وقسمات الحراس، وتخيلت أنني لمحت عصابة ملثمة تقتحم البنك وتقول لنا انبطحوا أرضا، ثم تأخذ أكياس النقود البدينة وتختفي بعيدا، وتخيلت أنني زعيم تلك العصابة، وأنني أنثر النقود بين الناس وعتبات قصرى تكتظ بالمعارف والأقرباء الجدد، والجميع يكيلون المدائح لي، أحدهم يشبهني بحاتم الطائي، وآخر يصنع لي تمثالا من الفضيلة، وهاتفي لا يكف عن الرنين، كما أن أجدادي أصبحوا ملوكا كانت تدين لهم مشارق الأرض ومغاربها، هكذا سيقول المؤرخون الذين سيشربون في قصري " الشاي بالياسمين"، أما إذا ما ماتت "معزاتي" واعلنت الحداد على روحها، فسيكتظ قصري بالمعزيين ستبتل مناديل الصالون بدموعهم، سيأتي الشعراء لرثاء معزاتي، وسترسل الدولة وفدا رفيع المستوى؛ ممثلا بوزارة التنمية الريفية لتعزيتي في هذا المصاب الأليم جدا، سيأكلون ويشربون ويلبسون من مالي، لكن لا أحد من الناس وهو يمد يده سيسألني من أين لك هذا؟
يوم تقبض علي الشرطة وينكشف لهم أمري، سيختفي الناس من حولي وتتصاعد مدائحهم كالدخان؛ فتذوب في سماء النسيان، بينما أجلس أنا وحيدا في زنزانتي...
لكن الناس التي انفضت من حولي، لن تتقيأ ذلك الطعام الذي أكلته في قصري، عندما تعلم بأنه مسروق.
تخيلت هذه القصة وأنا في الطابور، حتى استهلك دقائق الانتظار، فأنا من الذين لا يطيقون الانتظار...
مددت الشيك للموظفة وقد أعياها التعب، تفحصته جيدا وناولتني المبلغ، أثناء ذلك عاد عسكري بسيط قد سحب راتبه قبلي، وقال لها منبها: " لقد أعطيتني المبلغ زائدا بعشرة آلاف أوقية " حسبته الموظفة من جديد، وفعلا وجدته زائدا بعشرة آلاف أوقية، أعجب الواقفون داخل مقدمة الطابور بأمانة هذا الموظف الكادح..
قلت في نفسي: " ليت وكلاء الدولة وموظفيها كانوا بأمانة هذا الرجل البسيط في مظهره، لكان وطننا بالف خير، ولكان تديننا الميكانكي مقنعا ".
أخذت أنا نقودي وحسبتها بدقة، لئلا تكون ناقصة وفعلا كانت ناقصة بالف أوقية، لكنها ضريبة يأخذها البنك من الذين يسحبون راتبهم من غير المدينة التي يوجد فيها البنك الذي فتح فيه الزبون، الضرائب هي أرباح البنوك التي أصبحت لوفرتها كدكاكين البيع بالمفرد، وتلك حالة اقتصادية لا أظنها صحية، في دولة سكانها أربعة ملايين نسمة فقط، وتستهلك أكثر مما تنتج!
خبأت المبلغ داخل محفظتي الجلدية، وأحكمت أغلاقها جيدا، فلم تنتفخ ولم تتورم وحافظت على رشاقتها.
هناك حكمة تقول: إذا ما دخلت السوق بمبلغ جد (كبير) فقد تشتري أشياء لست بحاجة إليها، طبعا هذه الحكمة من بنات فكري، وتلك البنات؛ هي التي أعيلها والحمد لله، بناء على تلك الحكمة؛ ركبت التكسي تاركا السوق لمرة أخرى.
كان الله في عون أرباب الأسر خاصة الجدد منهم، إن حالات الطلاق تكثر في صفوفهم لقلة الخبرة والقناعة.
هنا نواذيب(بغداد)، وهذه المدينة تشبه القاهرة كثيرا في  عشق أهلها لليل والسهر-كأنني سبق وأن أكلت الفول في كوبري 6 أكتوبر- عندما مشيت صباحا داخل شوارع نواذيب حسبتها مدينة مهجورة لقلة الحركة..
الصورة أدناه وما عليها هو هدية العيد.
الساعة 20:29 تقبل الله صيامنا وصيامكم.

 

------'------

من صفحة الاستاذ خالد الفاظل على الفيس بوك