حتى يعود الربيع العربي/ الحبيب الشيخ محمد
الأربعاء, 02 أبريل 2014 18:31

حتى يعود الربيع العربييجوس في عقول كثيرين سؤال حائر: هل انتهى الربيع العربي؟ وهل لما جرى من هزات له، ومحاولة اغتيال للإنسان في جوهره، ولأشواقه في الحرية والعدالة، تأثير يعدم فرص تكرار ما حدث، منذ احتراق جسد الشاب محمد البوعزيزي، في بلدة جنوبية تونسية؟

يفضل بعضهم الحديث عن انقلاب في مصر على سلطة "الإخوان المسلمين" المنتخبة ديمقراطيا، ثم يكتفي بتحليل إكراهات ذلك على المسار الثوري، ويغفل ما يوجد هناك في قلب الهيكل. هناك، يبدو العسكر، وقد جاؤوا إلى ساحة اللعبة السياسية، لا لكي ينصروا فريقاً "علمانياً مدنياً" على آخر "ديني أصولي"، بل إن مسعى عودتهم الأعمق سعي حثيث إلى إعادة إنتاج النخب التي حكمت دولنا العربية، منذ استقلالها عن المستعمر، بشكل يستطيع المواجهة السريعة للحظة "اللاوعي"، أَو لحظة رد الفعل العفوي، بحسب تعبير بيار بورديو، والتي جعلت الجماهير العربية، في مصر وتونس وليبيا وسورية واليمن و...، تنسى تراكمات خوفها التاريخي من سياط الحاكم، وتقتحم مصيرها، وتصنع "جمعات" مباركات حاضراً جديداً، يخلو من اليأس، وربيعاً واعداً بالأمل.

دأبت النخب التي حكمت دولنا العربية، منذ خمسينيات القرن الماضي، على إبقاء خضوع الناس لها، من جهة، تحت الترغيب، بدعاية مواجهتها العدو الصهيوني، وأنها ستعيد الأرض المغتصبة، وتحرر القدس و... .

ومن جهة أخرى، بترهيب معارضيها بتهمة طابور خامس، يستحق السحل والقتل. لذلك، مكثت طويلاً، وتناسلت أَجيال العسكر، ومن تمسحوا في أوصاف ثوريةٍ، لا تسندها حقائق على أرض ممارساتهم الإجرائية.

واستمر الإنسان العربي يدور في دوامة تلك التناقضات المفاهيمية، وينعزل في كل لحظة، ويفقد جماعيته الوطنية، وينغرس في تلويثات الضرورة المعيشية، من دون أن يملك لحظةً، يراجع فيها حاله، وينظر إليه بوعي كامل، ملم بجزئياته البائسة المقهورة.

ثم كان أن أحرق البوعزيزي جسده ، لينبعث من رماد حريقه ماردُ الشعب، وتفاجأت النخب الحاكمة بأن هيكلها الجبار الشرس انهار في لحظات، وكل ما فعلته لمسخ إِحساس الإنسان العربي بالكرامة ذرته الرياح الربيعية الثورية. وكإجراء احترازي، قررت نخب العسكر أن تتماهى مع المد الثوري، وأَن تتحين الفرص، لإمساكه من رأسه، وإعادته إلى نقطة الصفر.

وكان لا بد من استغلال الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه أغلب الثورات في العالم، منذ القرن السابع عشر، وهو تصارع المجموعات الثورية والتهام الثورة أبناءها الأوائل.

وراقب العسكر "الإخوان المسلمين" الذين حكموا في قراءتهم المشهد، ورأوهم ينظرون في المرآة إلى صورة التمكين لهم، وتركوهم يظنون أن اللحظة مواتية لمحاكمة التاريخ السيئ، وجعلوهم يضعون رؤوسهم وجسد الربيع العربي في المقصلة.

وكان القضاءُ على عنصر "اللحظة الثورية العفوية" الذي تكوّن عند الجماهير العربية هدفَ النخب العسكرية الأول. لذلك، كان لا بد من تفتيت أية لحمة ممكنةٍ بين الجماعة الثورية، وضرب أحلام استعادة ماضٍ ناصريٍ قومي، يجسد العزة والكرامة، ودغدغة آمال أخرى الحبيب الشيخ محمدفي هزيمة مشروع الدولة الدينية.

 

ثم التقى ذلك كله بمشروع إقليميٍ، معاد احتمال تمدد مشروع الإخوان المسلمين السلطوي إلى جغرافيته السياسية. بات واضحاً، إذن، أن ما يحدث أكثر من مجرد انقلاب عسكري، أَو استبدال لقب المشير بلقب الرئيس.

إنها محاولة اغتيال روح أمة، وقدرتها على الفعل، ولو كان لا واعياً، انفعالياً، عاطفياً.

إنه مشروع جديد لتلافي ما حدث والتحكم فيه، والحيلولة دون أن يتكرر، وبالتالي، ضمان أن تعيش النخب العسكرية نصف قرن جديد من الحكم على الأقل. لذلك، كان لا بد من مرور على التحليل السابق، لفهم سليم لآليات إعادة الربيع من جديد، ولكي يحدث ذلك، كما أتصور، لا بد من نبذ الانفعالية في رد الفعل تجاه الاستبداد والقتل ومنع الحريات الجاري، والوعي بأن تيار التغيير لن يمر، على الأغلب، بمساره نفسه الذي فاجأ النخب الحاكمة العربية في الماضي.

إِنها، وبشكلها "السيسي" الجديد، مستعدة للتعامل مع ذلك، وستبقي المواطن بين الخوف والرجاء بشكل سيزيفي!

على الثوار، الآن، في وجه العسكر، لكي يعيدوا الربيع، أن يتمتعوا بقدر كبير من هدوء النظرة للواقع، والصبر وطول النفس الاستراتيجي.

وعليهم أن يجروا مراجعات فكرية وسياسية، تمكّن من إعادة لحمة الجماعة الوطنية، وتعيد ثقتها في بعضها. وبإمكانهم أن يلتفوا على قرار حظر جماعة الإخوان المسلمين بإعلان حلها، والدخول في تشكيل وطني بصفة جامعة. ثم إن التظاهر باستمرار في الداخل، وبضحايا جدد كل يوم، قد يؤدي إلى نمطية في الصورة، لدى غالبية الشعب، المراد منها اتخاذ موقف متضامن مع الثوار، لكن التظاهر النوعي وبأعداد كثيفة، ثم الضغط، وملاحقة من ارتكبوا جرائم من العسكر الحاكمين أمام ساحات القضاء الدولي، سيضعف، تدريجياً مكانة سلطتهم، وهيبتها، في المجموعة الدولية.

نقلا عن العربي الجديد