28 نوفمبر
آراء الكتاب

مشروع العلامة ابن بيه مشروع حياة للأمة / حمزه ولد محفوظ المبارك

من أرشيف 28 نوفمبر6 د للقراءة

من المعروف عبر تاريخ البشرية أنه لم يسلم الأنبياء و الرسل و الدعاة و المصلحون و المربون من حملات التسفيه و التشويه و التشويش , وصلت في بعض مراحلها المتقدمة إلى حد التعذيب و التهجير بل و وصلت لللقتيل و التشريد و محاولات الاغتيال و تدبير المكائد و التخطيط لها من قبل

أعداء الحق و حراس الوهم , لكن في يومنا هذا و بعد أن طال الخراب و الدمار كل بناء و أكلت نار الفتنة أخضر الأرض و يابسها و سبح في أنهر الدماء صغيرها و كبيرها بات من الواضح الجلي أننا نسير في قنوات عدم و فناء لا نهاية لها إلا بتحكيم العقل و الرجوع للحق و الاحتكام لشريعة الرحمة التي قفزت عليها لغة الحديد و النار في معمان تهالك عبثي لا دين له و لا عقل , ذلك التهالك المتمثل في تنازع بقاء اختلطت فيه كل المصطلحات و انخرطت فيه كل الجبهات !

حاجة الأمة اليوم في السلم باتت من البديهيات بل و من أولويات الخطاب الديني العاقل ، بعدما جرب كثيرون خطاب الحرب و فتاوى الموت التي و إن كان القصد منها إزالة الظلم و تحقيق العدل فإنها تحولت مع الوقائع و التجارب إلى نيران مشتعلة طالت العالم قبل الجاهل و المظلوم قبل الظالم و بدلت الأمن خوفا و الصحة مرضا و جوعا و ضياعا و أرهقت البشر و الحجر و المدر....

تلكم الحاجة التي تلبيها دعوة الإمام عبد الله بن بيه  تلامس القلوب و تبعث الحياة في النفوس و تعطي للمسلمين أملا في الاستراحة من ويلات الحرب و العداوات و إحياء قيم التسامح التي تنبني على التنازل عن بعض الحقوق الخاصة من أجل المصلحة العامة ، كما كان النبي عليه الصلاة و السلام يفعل ( صلح الحديبية )  مع الكفار :

...... فلما اتفق الطرفان على الصلح دعا رسول الله علي بن أبي طالب فقال له: " اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم ". فقال سهيل: أما الرحمن، فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فقال: " اكتب: باسمك اللهم " ثم قال: " اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله " فقال سهيل: والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال: " إني رسول الله، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله "........

أحرى بين المسلمين !

الإمام ابن بيه يملك برجاحة حجة القرآن و بيانه ما يخوله المضي بدعوته المباركة في كل حدب و صوب ، و أن يكلم المسلمين و الملحدين و الكفار بالقرآن و أن يُسمعهم من دواء قلوبهم و شفاء صدورهم ما به تقوم عليهم الحجة و به يصون حرمة دماء المسلمين و يذب عن حوض الاسلام أن تدنسه دعوات التقتيل و التشريد و الارهاب و الظلم و التحريف و الاحتراب الهمجي ..... و له من المميزات و من السبق العلمي و التجارب و الاطلاع و من الحكمة و الحنكة و العقل .... ما يجعله متفوقا في نظرته و قراءته و فهمه لمتطلبات المرحلة على كثير ممن يخوصون في التنظير الديني لفاتورة دماء تدفعها الشعوب ثمنا لحرية وهمية إذ أنه "لا يمكن تحقيق غايات نبيلة باستخدام وسائل رديئة " .

إن المكانة المشرفة و المصداقية و الهيبة التي أكرم الله بها الإمام ابن بيه هي من ذلك الميراث النبوي الذي هدى الله به مشارق الأرض و مغاربها ، و ذلك الخلق الذي سكن به المصطفى عليه صلاة الله و سلامه قلوب من يلقونه و يرونه و يسمعونه قبل إسلامهم و بعده , بل و حتى لو لم يسلموا.

الإسلام دين الناس كافة ( و من يبتغ غيرالإسلام دينا فلن يقبل منه ) ، لذلك كان الأنبياء يجوبون البلاد و يرفعون النداء مبشرين و منذرين ، فكانت رُسل النبي المصطفى تنطلق منذ فجر الاسلام إلى كسرى و قيصر و المقوقس و سائر البلاد , فرسالة الإسلام أعظم و أشمل و أوسع من أن تكون فئوية أو عرقية ضيقة .

الإسلام حق لكل آدمي أن يصله و أن يسمعه و أن يراه في خلق المسلم ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا أبى قيل و من يأبى يا رسول الله , قال من أطاعني دخل الجنة و من عصاني فد أبى  ) ، تلكم  هي مهمة الانبياء التي يستحضرها الإمام ابن بيه حين يقول : إن مهمة العالم هي أن يرحم الناس لا أن يعذبهم ...أن يدلهم على الجنة ، لا أن يعجل بهم إلى النار .

فكر الأنبياء و ورثتهم  , فكرعالمي ينهل من وحي العدل الذي شرع الدعوة بالحكمة و الموعظة الحسنة دستورا لعباده المخلصين ، لكنه فكر محفوف بالمثبطين و المشككين ممن عجزوا عن التأثير فتأثروا !

إن الذين يحاولون التشويش و رمي الأشواك في طريق الإمام لم يكلفوا أنفسهم بقراءة خطابه و لا تدبر معاني كلماته , لم يحظوا بشرف فهم دلالاته ومراميه و لم يعطوا حتى للبناء اللفظي حقه , حيث جمحت بهم الحسابات الخاصة و التنافس الاديولوجي إلى بناء منظومات تخوينية مصمتة حولتها الاخفاقات المتلاحقة إلى ماكنات ضجيج و تشويش تحيل في تحاملها و دعايتها المغرضة إلى العقبات التي اعترضت دعوة الاسلام :

روي عن محمد بن إسحق عن ربيعة بن عباد الديلي قال "إني لمع أبي غلام شاب ، أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع القبائل ، ووراءه رجل أحول وضيء ذو جمةٍ ، يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبيلة فيقول " يا بني فلان ، إني رسول الله إليكم ، آمركم أن تعبدوا الله ، لا تشركوا به شيئاً ، وأن تصدقوني وتمنعوني ، حتى أنفذ عن الله ما بعثني به" ، وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه : يا بني فلان ، هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى ، وحلفائكم من الجن من بني مالك بن أقيس ، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة ، فلا تسمعوا له وتتبعوه ، فقلت لأبي : من هذا؟ قال : عمه أبو لهب" ,

جنحوا بخيالتهم إلى الصور فأنطقوها على مقاس مخيلتهم و طول امتداد جموحهم عن الاستنطاق المنصف لتأتي مساهماتهم في حملات الإساءة على أكف عفاريت من التناقض يفضحها سبق القلم و لحن القول ...

قد نتفهم الخطأ و قد نتفهم صاحب الخطأ مادام خطؤه يملك من التأويل قدر ما يترتب عليه من المآلات ، لكن أن يكون الخطأ شريعة و أن تكون المكابرة بديلا عن التوبة و تصحيح الأخطاء فلا شك أنه في الأمر شيء يتعلق بثانوية الدين و المصلحة و إقصاء العقل و القلب في سبيل اشباع رغبة خاصة و تحقيق مأرب ضيق ....

الإمام عبد الله بن بيه يحمل لواء الاصلاح و رسالة الرحمة التي جاء بها الكريم المصطفي عليه الصلاة و السلام , فبعد أن سفكت الدماء و قطعت الأرحام و غرقت الأمة في جاهلية النعرات و الحميات و الاقتتال و الافساد في الأرض ، يأبى الله إلا أن يكون على الأرض رجل رشيد ، يذكر الناس بالله ، يذكرهم برحمة الاسلام ، يذكرهم بحرمة الدماء ، يذكرهم بهدي نبي بعث رحمة للعالمين ، بعث للناس كافة ..

ابن بيه اليوم يأخذ بحجز القوم عن النار و هم يتفلتون إليها !

مهما كابر القوم و ساروا في قنوات العدم ، في قنوات الاحتراب الدائم و الفناء الأبدي ، يظل الإسلام دين سلم بين المسلمين ، دين هداية للعالم بأسره ، دين قلوب و عقول .

مهما حاولوا التشويش و مهما حاولوا التشويه و مهما حاولوا الهمز و اللمز و مهما حاولوا إطفاء نور الهداية ، فالله متم نوره بحول منه , فيا من تقفون على حافة الجرف ( أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم  أو سدوا المكان الذي سدوا ) .

هذه المادة جزء من أرشيف 28 نوفمبر، وتُعرض كما نُشرت أول مرة.

اقرأ أيضا

صيادون يُخرجون زورقاً تقليدياً مزخرفاً من البحر في نواكشوط

حتى لا يتحول التمهيد إلي تهديد و الحوار إلي شجار/ محمد يحيي ولد العبقري

البدء: وعدت في الحلقة الماضية : الانقلابات العسكرية حوالينا لا علينا - أن اعرض بالتحليل للأوزان : استبداد-احتكار- انفعال -انفلات-انقلاب-انبهار-انهيار-وبزيادة حرف ندخل…

قوارب صيد على شاطئ نواذيبو

حكومة "الحمى"..! حبيب الله ولد احمد

هل توجد حكومة موريتانية من العام 1958 إلى يومنا هذا أسوأ من حكومة ولد حدمين الحالية..؟!! هل تتذكرون حكومة أكثر منها نحسا وسوء طالع على البلاد والعباد، لا نحب التطير فقد…

صيادون يسحبون زورقاً في ميناء الصيد التقليدي بنواكشوط

"رئيس" مجلس الادارة../ باباه سيدي عبد الله

تعاني أغلب حكومات العالم الثالث حساسية مفْرطة اتجاه النقد الخارجي، خاصة إذا أتاها من مَأمَنٍ تظن أن لها به علاقة تحميها من خرجاته الدبلوماسية والإعلامية غير الودية.…

شارع عند الغروب في كيهيدي

نعم.. لا "ديمقراطية" مع كتيبة الأمن الرئاسي/ محمدن ولد اشدو

تتعرض كتيبة الأمن الرئاسي - والجيش عموما- منذ 6 أغسطس 2008 - وحتى من قبل ذلك- لهجوم لاذع ومركز كانت آخر حلقاته غير البريئة تلك التي تزامنت مع أحداث الشقيقة بركينا فاسو؛…