28 نوفمبر
آراء الكتاب

زهاد العصر .. ذكىيات مع الشيخ محمد الجزائري

من أرشيف 28 نوفمبر4 د للقراءة

زُهَّادُ العصر.. ذكرياتي مع الشيخ محمد الجزائري الدكتور عبد الله ولد بيان

لا شك أن السيطرة المادية على حياة المجتمعات الحديثة و تشيؤ القيم و الأخلاق الإنسانية، تجعل الكلام عن الزهد أقرب إلى قصص الخيال، (التي تُروى و تُتداول بين الناس، و لكنها تظل بعيدة عن الواقع المعيش). لكنني، و رغم "الزهد" في أهمية هذا النوع من الحديث عند الكثيرين، أريد أن أسجل هنا جانباً من تجربتي مع من أظنه علماً من أعلام الزهد في هذا العصر؛ و قد أمضى معي الأشهر الستة الماضية في زيارة كان لها الأثر البالغ في حياتي (رغم أنني عرفته أخا و صديقاً - عن بعد - قبل ذلك بسنوات).

أولا، أريد أن أوضح أن الشخصية التي أحدثكم عنها ليست من من يرى البعض أن زهدهم في "الدنيا" ناتج عن عجزهم عن تحصيلها و بالتالي يتجهون إلى الآخرة! فشيخنا حاصل على شهادة الدكتوراه PhD NIH في البيولوجيا الدقيقة من جامعة جورج واشنطن و أحد الباحثين السابقين في المعهد الوطني للصحة في الولايات المتحدة (أهم هيئة بحثية عالمية في هذا المجال) و باحث بارز في جامعة جورجيا الأمريكية، و له براءة اختراع مسجلة لدى وزارة التجارة الأمريكية في مجال الهندسة البيولوجية (هندسة البروتينات)، و لكنك مع ذلك عندما تناديه ب "الدكتور" يرد عليك مباشرة: "محمد، محمد" وستعلم من نبرته أنك لم تناده بأحب الأسماء إليه، وعندما تستفسره عن السبب، يقول لك: "أتاني هذا الرسول الكريم بكثير من الأخلاق و الهدي الذي لم أتمسك به، فإسمه هذا الذي تسميت به - على الأقل - لن أسمح بتغييره أو التفريط فيه ما حييت"!

شيخي محمد طبعا لا يهتم بكسب المال و لا يكنزه (و هو من فُتحت له أبواب ذلك مشرَعة)، لا يهتم بأن يمتلك سيارة و لا تلفونا نقالا (و ربما استعمله نادراً للضرورة القصوى)، ليس من مشاهدي التلفزيون و لا تستهويه مجالس الحديث العام ولا نقاشات السياسة، متواضعٌ لين، يخدم الصغير بيده قبل الكبير، يقضي أغلب وقته منتبِذاً زاوية من المنزل ذاكرا و داعيا و مستغفرا (كثرة استغفاره لا تكاد تُتصور). و مع ذلك عندما تحدثه قليلا عن أمر من أمور الدنيا، "يجاملك" في البداية و بعد ذلك يضرب كفه على كفه، و يقول لك "يا فلان، شغلتنا الدنيا عن الآخرة، حسبنا الله و نعم الوكيل".

في السنوات الأخيرة أصبح يقضي جل وقته في خدمة أمه في ضاحية من ضواحي بشار بالجزائر و كما يقول: "لا يطيق أن يعيش في مكان لا يسمع فيه الآذان، بعد أن أمضى قرابة ثلاثين سنة في هذه البلاد". و لن يخفى على عارفي الشيخ أهمية الأذان في حياته، فهو إما أن تحضره الصلاة في مكان يُرفع فيه الآذان، و إلا فستمعه منه مع دخول كل وقت (في البيوت و في المكاتب و في الحدائق، و في أماكن ربما لا يخطر لك سماع الآذان بها على بال).

بعد إلحاح الكثيرين على الشيخ (و كنت أحد هؤلاء، و أرجو أن لا أؤاخذ بذلك) بتدريس علمه للطلاب و خاصة في بلاد المسلمين، قطع "خَلوته" في صحراء الجزائر للقدوم هنا لإجراء الترتيبات اللازمة لذلك، و هو ما أعطاني - لله الحمد - فرصة التعرف عليه و على هدْيِه و سمْتِه و سلوكه عن قرب.

و يبدو أن حظ التعاقد معه سيكون من نصيب إحدى الجامعات الخليجية، و لكنني لا أتوقع منه أن يُطيل المقام هناك في أوساطنا "الأكاديمية" ذات الطابع المادي، علماً بأنه تمتع في الوظائف الأمريكية التي عمل بها باحترام يصعب تصديقه، و من ذلك أن رئيس قِسمه في جامعة جورج واشنطن قرر يوما من الأيام (قبل الحادي عشر من سبتمبر طبعا) أن يطلب من زملائه تجنيب الخمر لإحدى "الحفلات" الجامعية للقسم و أن يكون للرجال مكانٌ منفصل عن النساء، حرصا على حضور الشيخ. والحقيقة أن للشيخ جِدا و بذلاً و أخلاقاً لو تحلينا بها لكان لذلك الأثر البالغ في نفوس غير المسلمين، و هذا ما أشار إليه أحد أصدقائه الأمريكيين (الذي أصبح دبلوماسيا فيما بعد) عندما كلمه مؤخراً (وقد كان قريباً من الإسلام) فقال له: سمحت لي الوظيفة الدبلوماسية الجديدة أن أزور و أتعرف على الكثير من بلاد المسلمين و وجدت أن الإسلام الذي يَدِينون به ليس هو دين محمد الجزائري!

قد أعود إلى هذا المضوع بشكل أعمق في المستقبل و أكثر تفصيلاً، و لكن خلاصة الأمر هي أن لشيخي حياةً لو تعرفتم على تفاصيلها - مع أخذ الفارق الزمكاني بعين الإعتبار - لوجدتم أنكم تعيشون مع سيرة أحد رجالات "الزهد" لابن المبارك، أو تقرأون من خلال يومياته تراجم الزهاد في طبقات ابن سعد..

غادرني في الأسابيع الماضية، و عاش بعده هذا المنزل وحشة عظيمة، بعد أن أناره و عمَره. غادره بعمق تأملاته و علمه و ورعه و تهجده؛ و هو الذي كان النائم في المنزل يحسبه ليلاً أحد أعمدة المكان من طول قيامه.

هذه المادة جزء من أرشيف 28 نوفمبر، وتُعرض كما نُشرت أول مرة.

اقرأ أيضا

رجال مع جمالهم في شنقيط

خطري ولد اج يكتب : ورقة توضيحية حول اتحاد الرماية التقليدية

نشأ اتحاد الرماية التقليدية منذ حوالي20عاما (وقد مر بعدة تسميات بطبيعة الحال)، كرياضة هواة، تدار بتقاليد تنظيمية لا تتماشى مع الزمن و طرق توافقية تتنكر للقوانين…

شارع في مدينة أطار

التسول السياسي ... / حدامي محمد يحي

التسول ظاهرة سيكولوجية وسيسيولوجية، يعاني منها المجتمع، وذمها الإسلام، فحث على العمل والإكتساب، والتعفف عن الناس، وسؤال رب الناس، حتى بايع صلى الله عليه وسلم أصحابه ثم…

سهل رملي في صحراء ولاية آدرار

الوطنية و الوحدة: المفهومان الناقصان / الولي ولد سيدي هيبه

الوطنية حسب تعريف الثورة الهولندية (1787) هي" إظهار الحب للبلد من خلال الرغبة بالإصلاح والثورة" وحسب تعريف "هارت"، الوطنية هي: "حب الإنسان لبلاد، وولاؤه للأرض التي يعيش…

كثبان رملية في الصحراء الموريتانية

ماذا فعلنا ..؟وماذا كانوا يعتقدوننا..؟/ محمود محمد حسن عبدي

كان )عبدالباري عطوان( قد عبّر بحرارة عن حبّه للشعب الصومالي واحتفائه بما أظهره شعبنا هذا من شجاعة وعناد تجاه الغرب، والفاتورة العالية التي ترتبت على ذلك، في لقائه مع أخي…