28 نوفمبر
آراء الكتاب

إضاءة من الداخل على مشكل التعليم /2

من أرشيف 28 نوفمبر3 د للقراءة

altلقد تعلمت من سنين الخدمة و الكدح في مجال التعليم في بلادنا أن أقرأ المرارة كل يوم في وجوه البائسين ممن رمت بهم الاقدار في ثنايا النسيان و اللامبالاة و الفوضى العارمة في هذا القطاع , و أن أرى الإحساس بالضياع و الحيف و الغبن في أدئهم و سلوكهم, و لقد تعلمت

أن أطارد حلم الإصلاح الذي تنفست عطره ردحا من الزمن و تتبعت خيوط دخانه أياما عصيبة و ليالي معتمة دون فائدة.   التعليم في بلادنا يعلمك أن تخلع ثوب الرسول لترتدي خرقة الإستشفاق , و تنزع رداء الرتبة العالمة ملتحفا معطف الإستتعطاف , و أن تحس بالوحدة و الفردية في حمل الهم الوطني , متجردا من قاعدة تقسيم الأدوار , و روح عمل الفريق و طمأنينة الجماعة , فقط لأن الدولة غائبة تماما غياب الحس الوطني , غائبة من أجل الغياب مرة و لأن الغياب سمة من سماتها مرة أخرى , و مغيبة تارة بفعل الممارسات النمطية القاتلة , و تارة أخرى بفعل الفشل المتكرر الناجم عن غياب الرؤية الواضحة.   يرزح التدريس و المدرس في هذه البلاد تحت وطأة التجاهل و الجهل و التجهيل منذ زمن بعيد , فكل شيء في هذا القطاع اليوم أصبح مجهولا في مجهول و جهلا يلفه جهل أعظم منه , و كل الطرق فيه تؤدي إلى روما عتيقة في فن الفشل , فمن الأقسام المكتظة حد الإحتباس بالأميين من الأطفال و المدرسين إلى ساحات الضياع , إلى شوارع التفسخ و الإنحلال إلى بيوت المسلسل الهندي , التركي , الأمريكي , إلى العوالم المفتوحة على الغث و السمين في "النت" الذي أصبح اليوم يحتل مكانة كل من غاب مدرسا كان أو أبا و كلهم غائبون تمام الغياب.   تعلمت من سنين الشقاء في مهنة الرسول في هذه البلاد أن أرى تفاصيل قسوة الطبيعة مقروءة على جسد كائن من الكائنات كرمه الله فأهانته قرارات البشر و رمت به في غيابات الجب , لينال من النسيان و التناسي و الظلم و التسيب و العشوائية و الحيف و التهميش ما به يعلو شأن كل متاجر فاشل , و من تطريز الأكاذيب و تزوير الحقائق ما به يبتإس كل مهتم بشأن التعليم  , ففي كل ركن من مؤسسات الفشل المنوطة بشأن التعليم عندنا خلايا قد نسجت لحياكة الخيانة و الكذب و الرشوة , و طاولة عليها تدار كؤوس الخنوع و الذل و التبعية لهذا "المسؤول" أو ذاك.   تعلمت من سنين الخدمة أن التعليم في بلادنا ساحة مفتوحة أمام كل المصائب , فلا إرادة للإصلاح تلوح في الأفق و لا سياسة للحد من النزيف العلمي و الأخلاقي الذي أبتلي به على أيدي المتسكعين على أبواب الرزية ممن يتبادلون الأدوار و يتداورن الكراسي و المكاتب دون رقيب و لا حسيب , فكل من يمسكون اليوم بزمام الأمور في إدارات التعليم من وزراء و رؤساء مصالح  و غيرهم ما جاؤوا مطلقا من رحم الترقي بالكفاءة و النزاهة و الإستقامة بل من "سماوة" التلصص و الوساطة و الرشوة و الحسابات السياسية اللعينة.   لكن الدولة تحتاج لإصلاح قطاع التعليم أكثر مما تحتاج الكراسي و المناصب السياسية و أكثر مما تحتاج لرئيس أو وزير أو "أمين" , أو مدير.  و لا شك أن الضائقة المادية للمدرس و تواضع الإمتيازات الظالمة في مجملها , جعلت رواد الميدان يزهدون فيه و يتقاعسون عن تأدية الواجب في ظل إنعدام الوطنية و قلة الصدق في الإنتماء , حيث يعتبر أغلب هؤلاء ولوج التعليم خطوة نحو الإلتحاق بميادين أخرى أكثر مردودية من الناحية المادية مستعينين في ذلك بالوساطات و الرشاوي و الوجاهات التي لا تؤمن بالمصلحة العامة و لا تقدر شأن الدولة في الإصلاح , و بهذا تستمر صناعة الفجوات و الثغرات في هذا القطاع لصالح التكدس و التضخم البشري في قطاعات أخرى هي أقل شأنا من التعليم , لتتحمل الدولة أعباء أناس لا يقدمون خدمة جلية على حساب قطاع لا غنى للنهوض عنه و لا بديل له في شأن الرقي و التنمية و الوعي بالحقوق و الواجبات. - يتواصل -   حمزه ولد محفوظ المبارك. أستاذ :علوم- فيزياء , ثانوية ولد ينج.

هذه المادة جزء من أرشيف 28 نوفمبر، وتُعرض كما نُشرت أول مرة.

اقرأ أيضا

جمل بارك على الرمال في آدرار

الشيخ .. والمسار المكشوف /عبد الله الراعي الحلقة الثالثة

أشفق عليك ايها السندباد من مرحلة مسارك المشكوف فها أنت تعود أيها النسر الشائخ تعود مكسور الجناح في حلقتك الثالثة من المسار .. فلمن كتبتها أيها الشيخ فمجالسك قد هجرت يوم…

متسوقون قرب السوق المغطى في نواكشوط

البنى التحتية...الأهمية وضرورة الصيانة /سيد امحمد ولد أحمد ولد باب

البنى التحتية هي الركيزة الأساسية والعمود الفقري للتنمية عموما والاقتصادية خصوصا في أي بلد أيا كان، وهي التي تعكس الصورة النمطية والورقة التعريفية للدولة وساكنيها وتمكن…

واحة بين ألاك وكيفة

دليل المحتارْ في فهم ما يحيط بدعوة البرلمان من أسرار/محمد إدريس حرمه بابانا

انتهى الشوط الثاني لاختيار نائبي مقاطعة أطارْ، وبجولة الإعادة في مكاتب العين الصفرة اكتملت نتائج ولاية أدرارْ، فكان إيذانا برحيل الأقدمين عن مقرّ الجمعية الوطنية وأصبح…

الضفة الشمالية لنهر السنغال في روصو

فهمى هويدي : مايحدث في مصر فيلم موريتانى قديم

الفيلم ليس جديدا، كان ذلك تعليق الأديب الموريتانى بعدما قضى أسبوعا فى القاهرة، حرص خلاله على متابعة مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمرئية. وحسب تعبيره فإنه فى كل صباح…