28 نوفمبر
الأخبار

إتاوة دخول الجزائريين تونس بين الحرج والصامولة

من أرشيف 28 نوفمبر6 د للقراءة

الدكتور محمد مراح

تجددت مسألة فرض رسوم مبالغ فيها لدخول لتونس ، فأثارت حفيظة الجزائريين الذي يدخلون تونس على مدار السنة، ويزداد إقبالهم عليها  صيفا، والغيايات عديدة كما نعرف جميعا: سياحة وتطبيب وصلات رحم وتسلية ، وراحة خاطر ونفس .

تجددت لأنها كانت مثار لغط وسخط شعبي جزائري في السنة الماضية، حين صدر الإجراء التونسي ، فاضطرت عن قناعة أو ضغط أو براغماتية  فاستدركت الحكومة التونسية استثناء الجزائريين منه. ثم جدّ الأمر هذه السنة في ذروة الإقبال الشعبي الجزائري على تونس للسياحة .

فما الذي يحدث بالضبط ؟ كيف يمكن النظر وفهم الأمر ؟ وما الذي ينبغي عمله؟

قبل الجواب عن الأسئلة نسجل الملاحظات الآتية الذكر :

تونس تعانى مشكلات اقتصادية كبيرة ، تهدّد استقرارها جذريا . ومن المألوف في مثل هذه الظروف الخطيرة إقدام الدول على قرارات صعبة ومستفزة أحيانا لشعوبها وربما لغيرها سواء كانوا دول جوار أو دولا ترتبط بها ترابط مصالح وتعاون واسعين .

تمثل الجزائر السند الأول لتونس كما عبرنا عن هذا في مقال سابق [ هل جوار تونس للجزائر نعمة أم نقمة] نُشر بصحيفة رأي اليوم الالكترونية بلندن :26\12025، إثر التصريحات الساقطة لساركوزي حول الجزائر، وعلاقاتها بجيرانها وأخواتها من دول المنطقة ، قلنا :(مثلّت الجزائر في هذه المحنة خير مساند عملي لتونس في كل ما عاشته منذ ثورتها ؛ رعاية لحقوق ، وماضى التاريخ المشترك ، ومكافئة على ما أدته تونس من أدوار كريمة شريفة وشهمة إزاء الجزائر خلال ثورتها التحريرية) .

اتسم التعاون الجزائري والتونسي على المستوى الرسمي منذ التغيير والثورة على نظام ابن علي ، بانسياب كبير، وسند قوي نموذجي . عمّقه الوضع المتردي في ليبيا . أما على المستوى الشعبي فتكفى هبة الشهامة بعد الضربة الإرهابية لعصب الاقتصاد التونسي .

تونس منفذ حيوي للجزائريين للأغراض والمصالح التي ذكرنا .والجزائر مثابة هامة جدا للتونسيين الذين يعانون كثيرا من الوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ، ونسبيا الأمني .

تونس تعيش مرحلة دقيقة من محاولة تجريف التجربة الديمقراطية لصالح المتضررين منالتحول أو ما صار يعرف في المصطلح الشائع (الدولة العميقة)، وهم بالطبع مساندو النظام السابق المتجذرون في دوائر الدولة ، والمنظمات السياسية والمالية ، وأصحاب المصالح ومن تحوم حولهم شبهات الفساد، أو هم كذلك لكن نفوذهم يبقيهم لحد الآن في منأى من المحاسبة والملاحقة القانونية

تمثل تونس حلقة الوسط في الاستراتيجية الدولية في المنطقة ، والمراهنة على إرغامها الرضوخ لمطالبها الأساسة : وهي تحويل تونس لقاعدة عسكرية تستعمل فيما يسمى (حرب الدولة في ليبيا ) .

وبالتالي تحويلها لمركز أوامر وعمليات الدول الكبرى صاحبة الاستراتيجية في المنطقة، الماضية في ترسيم الوضع المناسب لمصالحها في ليبيا تحديدا .

تُنوع الدول الكبرى ذات المصالح في المنطقة في أوراق الضغط والاستمالة؛ بين وعود وترغيب ، وتدخل مراكز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية على الخط ؛ فتكثف من اهتمامها الواسع بالوضع والحالة التونسية ؛ فعلى سبيل المثال وصلتني في الأشهر الاخيرة عديد المقالات والدراسات والملفات التي أنجزها مركز (كارنيجي ) المعروف ؛ وجدير التنويه بالمستوى الرفيع الذي أنجزت به : معرفيا ومعلوماتيا من خلال الإحاطة الدقيقة بالوضع التونسي ، وتقديم حلول إجرائية كثير منها هام ومفيد جدا للوضع هناك . لكن كلّ هذا يندرج ضمن الاهتمام بتونس من زاوية المصلحة التي يمكن تحقيقها نتيجة استقطاب تونس للدائرة الأمريكية ، ومدى تجاوبها مع تطلعاتها في المنطقة .

 ومما يدل على أولوية هذا الهدف وتقدمه عن باقي الأهداف أن أكثر تلك الدراسات يحجم الدور الإيجابي الكبير الذي أدته النهضة وحكمتها في التعاطي مع التطورات والتغيرات والاستقطاباتالداخلية ، على ضوء الدفع بتأسيس أركان الدولة الديمقراطية مع مختلف التوجهات والقوى السياسيين الأبرز على الساحة.

علينا التمتع بمستوى إدراكي ملائم للتحركات الاستعمارية ، التي جددت في استراتيجياتها وأساليبها وأدواتها ، فهي تطور كل ذلك بعزم ومعرفة دقية وإرادة فُلاذية منذ المرحلة الاستعمارية . وأعتقد دوما أننا في حاجة لإعادة قراءة طروحات المرحوم الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله تعالى في أليات وأساليب الاستعمار ، فلنقرأ الواقع الغريب المعقد الجاري في المنطقة الآن على ضوء –مثلا – كتابه الفريد (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة ) ، لكن بعقلية مدققة محلّلة . فالخبث الاستعماري تلميذ نجيب للمدرسة الإبليسية العريقة التي تأتيك أحيانا في أثواب الناصح الأمين ؛ كي لا ينهار على رأسك سقف المسجد وأنت تتعبد فيه .

كما أن التحليل الذي يتجاهل أو لا يعرف الرؤية الحضارية لحركة الأحداث والقضايا وتغيراتها ،مردوده في الفهم والفائدة قليل الجدوى، وكثيرا ما يكون كارثة ، قد تخدم الأهداف والمشروعات الخبيثة .

الصراعالذيتديرهأطرافداخليةوخارجية؛تهدفلتعكيرمستوىالتعاونالمتقدمبينالجزائروتونس،فيالمنعطفالحاسمالذييمربهالتغييرفيتونس. ممّا يرجح هذه الفرضية التناقض الكبير في المواقف والتصريحات التونسية حول موضوع استثناء أو عدم استثناء الجزائريين من إتاوة دخول تونس ؛ وهنا نسأل هل مرد هذا التناقض والاضطراب الحرج الذي يسببه الأمر في حال الاستثناء إزاء الداخلين لتونس ، والدول المعنية تراقب وتلاحظ ، ولا شك أنها ستثير الموضوع بما تراه مناسبا ؟ أم هو الحرج أيضا الذي تسببه الإتاوة نظرا للموقف الجزائري والتعاون النوعي بين البلدين ، والدعم النوعي معنويا وماديا الذي قدمته ولا تزال تقدمه الجزائر لتونس من منطلقات عدة ؛ منها واجب الجوار والإخوة ، التعبير عن الاعتراف بجميل الموقف التونسي إبان الثورة والجزائرية ؛فكانت بمثابة القاعدة الخلفية للثورة الجزائرية من الناحيتين الشرقية والجنوبية الشرقية ، وأهم معبر للسلاح القادم من مصر والسعودية للثورة الجزائرية بعد وصوله لليبيا ثم نقله لجيش التحرير عبر تونس ، وبإيواء قادة السياسيين والعسكريين للثورة ، وفصائل كبيرة لجيش التحرير فضلا عن اقتبال العدد الكبير من اللاجئين؟ ، أو درءا للمخاطر القادمة من الوضع الليبي . فإن يكن الأمر  كذلك فيمكن تفهمه،  لكن في المقابل ينبغي التفكير في الحلول الملائمة لنوعية العلاقة ،بين البلدين والشعبين ، وللمصالح المتبادلة بين الشعبين من خلال الدخول والخروج السلسين للبلدين .

والمعروف دوما أن المعاملة التفضيلية لبلد ما من التقاليد والأعراف الدولية المرحّب بها . وهنا نرى من المناسب اعتماد صيغة تفضيلية للجزائريين في موضوع الضريبة بالتخفيف أو الإلغاء ؛ كون تونس تحصل على منافع مادية ومعنوية معتبرتين من خلال هذا التواصل والتنقل الواسع  .

لكن الاحتمال الأسوأ لهذا التناقض هو أن يكون إحدى مظاهر وصور الصراع على النفوذ داخل دواليب الدولة التونسية ، في سياق الرؤية التي يعبر عنها هذا المقال ؛ سواء كان الصراع داخليا – داخليا، أو دالخيا مدعوما خارجيا للتأثير على المواقف الجزائرية سواء فيما تعلق بالقاعدة الأمريكية في تونس ، أو التدخل العسكري الغربي في ليبيا . وهنا لا يعدو ( فص الضريبة) سوى صامولة في دولاب الآلة الرهيبة للقوى الكبرى المستميتة في ترتيب الأوضاع الليبية حسب مسار التحكم في مناطق النفط الليبي الذي يعد من أجود أنواع النفط في العالم . وهذا العنصر تكاد تجمع   الآراء على أنه الهدف الأكبر لما حدث ويحدث في ليبيا . والشعوب في مقدمة من أدرك ويدرك الأمر والحقيقة

 فما الذ يمكن فعله على ضوء ما تقدم ؟

فضلا عن الإجراء التفضيلي المنوه به سلفا ،أعتقد أن الجزائر تحيط علما بمجريات الأمور في تونس، خصوصا في بعدها الدولي ،  ويمكنها بناء تحركاتها على ضوء ما توفر لها معلومات عن النوايا المبطنة أو المعلنة ، فتستمر في موقفها الجيد بالمساندتين المادية والمعنوية ، ولسنا في حاجة للتنويه بما يمثله كل  بلد للآخر من عمق استراتيجي ، كباقي بلدان المغرب العربي بعضها لبعض .

وقد أشارت تقارير وتصريحات باحثين ومراقبين كثر إلى أن المقصود من الضغط على تونس ومزيد من التعفين في ليبيا ، المنطقة كلها بالطبع لكن النصيب الأكبر للجزائر ؛ لميزاتها الجغرافية وثرواتها .

اعتماد الدبلوماسية الهادئة لحلّ مشكلة الضريبة على نحو يحفظ للجانبين الفائدة ، وسد الذريعة لتوتير الأوضاع والعلاقات بين الشعبين، ومنح المغرضين ورقة غير ذات بال  لكنها رابحة.

ومع هذا نرى أن الفرصة متاحة للدولتين الآن كي تذهبا إلى مستوى نوعي من التعاون ، كالمشاريع الاقتصادية ذات الجدوى حسب ميزات البلدين وامكانتهما المادية والبشرية ، و استهداف تحويل البلدين إلى مجال استقطاب لعناصر المال الفكر والعمل من المنطقة المغربية كلها ؛ ألا يمكن أن يكون الوضع المحبط المأساوي مناسبة ثمينة لتغيير مجرى الأمور لتعبيد طريق  الوحدة المغربية أمل الشعوب من بوابة  هذا النوع من الاستثمار ؟ الأمر ممكن في الرؤية الحضارية ، والإمكانات ، لكن  وكُلُّ لكن في مبادرة سياسية حكيمة، رغم الغيوم الكثيفة والظلام الدامس .

كاتب مغربي

هذه المادة جزء من أرشيف 28 نوفمبر، وتُعرض كما نُشرت أول مرة.

اقرأ أيضا

قوارب صيد على شاطئ نواذيبو

العلاقات التركية الروسية “ما بعد الخصام المر”

أ.محمد بن سعيد الفطيسي ادت التحولات والمتغيرات العالمية التي استجدت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م , كالحرب على الإرهاب وتراجع المركزية الاميريكة باتجاه…

شارع في مدينة أطار

هل أتاك حديث الذين يحرقون أوطانهم بأيديهم ؟

صباح علي الشاهر لنفترض جدلاً أن إيران، لجذر متأصل فيها، عدوة للعرب، وهي تسعى لتدميرهم ، والحيلولة دون تقدمهم ، لأنهم إن كانوا أقوياء ومتحدين سيعرقلون تمددها ، ولسنا…

مسجد ولاتة

وفاة رئيس "الفيفا" السابق لربع قرن والأكثر تأثيراً

توفي رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السابق، البرازيلي جواو هافيلانج عن عمر يناهز الـ 100 عام، وذلك بعد معاناته من الالتهاب الرئوي الحاد والذي كان قد أجبره على دخول…

المسجد السعودي في نواكشوط

عدد العاطلين السعوديين يرتفع إلى 658 ألفاً في الربع الثاني

أصدرت الهيئة العامة للإحصاء عبر موقعها الرسمي تقرير نتائج مسح القوى العاملة للربع الثاني من عام 2016، وقد أظهرت النتائج ارتفاع قوة العمل من السعوديين إلى (5,661,554…