معارضة نظام أم معارضة وطن !؟ ... قراءة في المشهد السياسي
تتسارع وتيرة الأحداث السياسية في بلادنا هذه الأيام مع حلول الآجال الدستورية للانتخابات الرئاسية التي يبدو أن الأطراف المعنية لم تتفق على حيثياتها حتى الآن. و توازيا مع هذه الوضعية تجتاح الساحة الوطنية امواج احتجاجات و تظاهرات (مسيسة الأهداف)
تساندها جهات سياسية معارضة، و قد ظلت تلك الأمواج من حين لآخر تثير جدلية (معارضة النظام و معارضة الوطن). في الديمقراطيات المعاصرة تعتبر المعارضة الجهة المراقبة لعمل النظام، و هي فعلا تطمح الى السلطة و لكن عبر صناديق الاقتراع كوسيلة وحيدة لتحقيق ذلك الهدف في قاموس الديمقراطية.
و في بلادنا هناك معارضة من شقين متفقين في هدف السعي الى سدة الحكم كهدف مشروع و مختلفين في السلوك السياسي و مناهج السعي الى تغيير النظام.
فهناك معارضة (ملتزمة) تختلف مع النظام في طريقة تسيير البلد و تسعى الى الوصول الى الحكم لتطبيق استراتيجياتها، و تحترم في ذلك كله مبادئ الديمقراطية و ثوابت الامة و المصالح العليا للوطن باعتبارها نقاط توافق بين كل اطياف المجتمع. و هناك في المقابل معارضة (متشددة) تختلط عليها مفاهيم معارضة النظام و معارضة الوطن، فمعارضة النظام حق سياسي طبيعي لكن معارضة الوطن شيء آخر، و تتميز هذه المعارضة بترحيبها الدائم بكل نشاط يعين في الوصول الى الحكم او التشويش على النظام، مهما كانت تبعات ذلك النشاط و خلفياته.
و خير دليل على ذلك مساندة تلك المعارضة للتظاهرات الفوضوية التي سببت في اكثر من مرة في تخريب ممتلكات الناس و هتك اعراضهم و تعطيل عمل المرافق العمومية، تماليا مع (منتهزين للفرص) هدفهم النيل من امن و استقرار البلد ... لا افهم بأي وجه يشرع البعض هدم الممتلكات العامة و افشاء الخوف بين صفوف الأبرياء و يقوم بكل هذا العمل الاجرامي المتخلف تحت غطاء الحرية و الدفاع عن حقوق المظلومين و مساندة المحرومين .... !
أي تناقض هذا؟ و أي سذاجة هذه؟ اعتقد انه بات من الواضح ان هذه المعارضة افلست لدرجة مساندة كل فوضى (بحجة بغض النظام) ... لكن ما دخلنا نحن البسطاء في صراع النظام و المعارضة؟
و هل ستقاطع المعارضة العمل المشروع للوصول الى الأهداف النبيلة و هو (الانتخابات) و تركب في المقابل امواج (المسيرات و التظاهرات) الغير شرعية لكي تنال رضى البعض و تهدم مكاسب البعض الآخر؟
لا ارى أي مبرر لما حدث و اخاف (إن تواصل هذا النوع من التصرفات) أن يصل الامر الى اخلال بتوازن مجتمعنا الضعيف (لا قدر الله). منطقيا تعكس الممارسة الديمقراطية و السلوك الناضج داخل كل معارضة حجم مسؤولية تلك المعارضة و عمق تجربتها، و اذا اردنا تطبيق هذه النظرية على معارضتنا الموقرة فسنقصيها للأسف (الا من رحم ربك) حيث ان اعرق احزابنا السياسية عاجز عن تطبيق التشاركية و التناوب في محيطه الضيق و يطالب جاهدا بتغيير نظام دولة ... !
فبأي حجة تتكلم تلك المعارضة؟ و كيف نستوعب هذا التناقض الواضح؟. هناك احزاب تمارس فيها الدكتاتورية و الفساد بشكل جلي ( لا تغير قيادتها ... تسمى بين العامية باسم قائدها الموقر ... يسيرها شخص واحد ... احزاب اشخاص، و قبائل، و جهات ... الخ). وفي ممارساتنا السياسية محليا نلاحظ ظاهرة غريبة و هي ظاهرة (الانتماء الأزلي) للموالاة او للمعارضة ... انتماء (توارثي، جهوي، قبلي، مصالحي ... الخ)
و هي عقليات ترسخها شخصيات وطنية مرموقة بدافع اغراض شخصية بحته، و هو امر بعيد كل البعد عن التسيس الواعي، فالانتماء للمعارضة او للموالاة ليس هدفا في حد ذاته و ليس حتمية بل هو موقف تمليه الظروف و المصالح العامة و يجب ان يبقى بعيدا عن المحاكاة او ارضاء الغير بأمور لا تشكل قناعة للفاعل و لا ترضي الضمير السليم و لا تبحث عن هدف شريف. يبدو لي ان الممارسة السياسية في بلادنا حتى الآن لم تنضج بالشكل الكافي، و تنمو مخاوفنا من انها (لن تنضج ابدا) ما دام اغلب ساستنا يختزل كل الامور في الوصول الى الحكم و الحكم فقط، تاركا كل القضايا الأخرى المناطة به اصلا كفاعل سياسي يفترض فيه ان يسعى لأمن و استقرار و رخاء المواطن، لا ان يستغل اخفاقات النظام و سطحية تفكير المواطنين و عفوية عواطفهم لأغراض شخصية يمكن ان تتاح له الوسائل الانجع لتحقيقها بطرق اكثر سلاسة و تحضر. هذه وجهة نظري المتواضعة و احترم للجميع آرائهم، لكم كامل ودي.
عبدي ولد البشير ولد امحيحم
قانوني و خبير في قضايا التنمية المحلية
46907260
هذه المادة جزء من أرشيف 28 نوفمبر، وتُعرض كما نُشرت أول مرة.




