28 نوفمبر
آراء الكتاب

مُعالَجَةُ .... ثم مُعاجَلة في شأن التعليم/ حمزه ولد محفوظ المبارك

من أرشيف 28 نوفمبر4 د للقراءة

   altالتعليم في كل البلدان و في كل المجتمعات التي تحترم الإنسان و تهتم ببناء الأوطان , هو الركيزة الأهم و الميدان الأقدس الذي منه يتأسس أي عمل يراد له البقاء , فبالتعليم فقط يمكن طي المسافات البعيدة و جني الثمار العديدة , و ترسيخ القيم الرشيدة , به تعلو مراتب الأمم و يَسْحَقُ الحق الباطل ,

و يحل العدل محل الظلم , و الإنصاف محل الغبن , و الإنتخاب محل التمييز , و الدولة محل القبيلة و العشيرة , و الوطنية محل الحزبية الضيقة ......

  كل الأمم التي راهنت على اكتساب العلوم في نهضتها و تأسيس كيانات دولها , أطلت على العالم في ظرف وجيز بزينة العلم و ألقه و شرفه , و حصنت أنفسها من ويلات الجوع و المرض و التسكع في المحافل الدولية , فأصبحت قرارات مصالحها بأيديها و بوصلة سياساتها على أراضيها عزيزة كريمة .   التعليم ميدان مهم و خِصْبٌ , يغري بالكتابة و البحث و النقاش خاصة أصحاب الميدان الذين خَبِروه و مشواْ فيه و ضحواْ و أعطواْ من أعمارهم و عقولهم و أجسادهم ما يليق بهم كمربين و معلمين , فلن يعدم الميداني فيه استرسالا بشأن المكانة و الواقع و المشاكل و المعيقات العضوية و المعنوية في بلادنا ,   إن المعوقات الحقيقية التي جعلت التعليم في بلادنا يتقهقر منذ ما يزيد على عقد من الزمن هي في حقيقتها أكبر و أعظم مما يتصوره البعض , فالتعليم ليس عملية ميكانكية  جامدة , و لا كرونومترية مجردة , أو مُحاسبية نقدية  ...!

ميدان التعليم لا ينبغي أن يكون ملجئاً أو ملاذا للفاشلين في الأرض ممن لفظتهم حجرات الدرس , و لا مَكَباً للمعقدين و المرضى نفسيا و المشوهين عقليا !    التعليم يجب أن يكون مقدسا , محرمة أرضه على الفاشلين و الساقطين و أصحاب العلل و العاهات العلمية و المعنوية , و أصحاب التشوهات الفكرية و النفسية , محرمة أن يطأها جاهل بمقام مدرس أو معلم أو مدير , لأن الخلط الذي دَرَجْنا عليه و استوطن مدارسنا قد أصاب عامة المجتمع بِبَلَهِِ تضيع فيه حقوق العامة و الخاصة على حد السواء .

  التعليم مهنة مقدسة , مهنة الرسل و الأنبياء , يجب أن يُخْتارَ لها مُصْطَفين من خيرة المجتمع علما و نبلا و سموًا و قناعة و اقتناعا , لأنهم القادرون وحدهم على تربية الناس و تعليمهم الخير و تنوير دروب الحياة لهم دون خيانة و لا تقصير و لا اعتصار للوجع و لا حياكة للألم و لا تطريز للمظالم ....!  

و من أجل ذلك فإنه على أي كيان يريد النهوض بنفسه و أن يصنع مكانة تليق بشرف آدميته أن يسعى لإصلاح بناءه التعليمي , خاصة ما يتعلق منه باعداد المدرسين الذي يبدأ أولا بانتخابهم و اختيارهم بعناية و حيطة و حذر , لأن أي خطأ نرتكبه في اختيار مدرس واحد لا يصلح للرسالة يكون بمثابة زرع عضو فاسد في جسم مريض أصلا , ولذلك يكون من البديهي جدا أن يُختار من المجتمع خيرته علما و سلوكا و نزاهة لتولي هذه المهمة , فَتُلْقى على عواتقهم أمانة اختيار مدرسين أصحاء أكفاء من ذوي العقول الراجحة و الأفهام السليمة و النفوس الصقيلة ....  

ثم إن مرحلة الإختيار الجيد لا بد أن يشد أزرها بالتكوين و الإعداد المتمكن لهؤلاء المختارين , ما يُحَتِّمُ علينا تهيئة دورِِ للتكوين تتلائم و حاجيات المُكَوَنين , فنعتني ببنيتها التحتيىة و مرافقها السكنية و برامجها التعليمية و وسائلها الخدمية التي يجب أن يُعنى بها أكثر الناس كفاءة و مواظبة و تحملا للمسؤولية , حتى يكون للتكوين معنى و لفائدته رسوخا و قابلية للوصول للناشئة من بعد .......

  و أثناء مراحل التكوين ينبغي أن تتم متابعة الجميع و تمحيص القدرات و المهارات و تشجيع الإسثناءات العبقرية و توجيهها و الإعتناء بها بما يليق و الإستفادة منها في مجالات الإبداع المناسبة , حتى لا يخرج لعيان التدريس إلا من أفرزتهم تلك الممحِّصاتُ و الموجِّهاتُ ذاتُ البصيرة .

  و في مرحلة ما بعد التكوين يجب أن تظل المتابعة قائمة و ذات قيمة يحس فيها المُجِدُّ بقيمة تميزه و المفرط بحرارة عجزه , فالتمايز في سلم الترقية يجب أن يخضع للكفاءة و الإلتزام و العطاء بعيدا عن المحددات التي درجت عليها مؤسساتنا التعليمية كعامل الأقدمية التي لا تعكس لوحدها حقيقة التميز في أي قطاع كان !  

ما لم نحقق وجود معلم من معدن نفيس و من منبع طاهر و طينة شريفة يضيء طريق الهداية للناس , يصطحبهم إلى مراتب الخَلْقِ و الإبداع , يعلمهم صنعة الحياة و معالم الطريق و فنون الترشيد و الإستقامة على أداء الواجب و حفظ الامانة ........ فإن الحديث عن التعليم و مشاكل التعليم سيظل قائما بل و مُلحًا و أقرب إلينا من شِراكِ النعل ,  لأن وجع التعليم يصيب الجميع و يطال الجميع و يسوء الجميع .....!

  التعليم في بلادنا يحتاج لمعالجة أساسها في المقام الأول المعلم نفسه , انتفاؤه و اختياره و اصطفاؤه , ثم إعداده و تكوينه و تهيئة الأرضية الصالحة لأداء أمانته , ثم بعد ذلك يكون من الجائز الحديث عن معاجلته بتلبية متطلبات الحياة التي تخوله الثبات على العهد بالبيعة التي في عنقه .

الأستاذ : حمزه ولد محفوظ المبارك ( ثانوية ولد ينج ) .

هذه المادة جزء من أرشيف 28 نوفمبر، وتُعرض كما نُشرت أول مرة.

اقرأ أيضا

ديكتاتورية الإعلام

ديكتاتورية الإعلام

د. فيصل القاسم نتحدث غالباً عن الديكتاتورية السياسية والدينية، علماً بأن هناك ديكتاتورية لا تقل بشاعة وإرهاباً وفتكاً، ألا وهي الديكتاتورية الإعلامية، فوسائل الإعلام، في…

نهر السنغال من على متن عبّارة روصو

المنتدى و الاغلبية لاجناح عليهما أن يصالحا بينهما صلحا/ احمدو ولد مفتاح الخير

الصلح خيركما ذكرالله سبحانه وتعالى وهي مسألة تمنينا لو وضعها المتداعون إلى الحوار السياسى اليوم نصب أعينهم وسموها صلحا ومصالحة ابتغاء التيامن بالمصطلح أولا,وتجنبا…

نساء يبعن السمك أمام سوق السمك في نواكشوط

"موريتانيا أفلست فخذوها عني على طبق من حوار"!!/ محفوظ الحنفي

الحوار الذي دعا له النظام الموريتاني مؤخرا وأظهر استماتة لافتة في إصراره على تنظيمه وإنجاحه؛ مازال يثير الكثير من الجدل والتساؤل والتكهن حول دوافعه الحقيقية، ومراميه،…

للتصحيح : التعليم رسالة

للتصحيح : التعليم رسالة

أغلب الذين يحاولون الكتابة عن التعليم و رغم الطاقة التي يبذلون في البحث عن الكلمات , و تهيئة المحاور و تنسيق الأفكار و ربط الجمل بعضها ببعض و محاولة تسوية صفوف الحروف ,…