28 نوفمبر
الأخبار

عن المُكثِرْ

من أرشيف 28 نوفمبر2 د للقراءة

أما إنّك لو رجعت إلى الأصمعي أو إلى ابن السكيت لقال لك إن المُكثِرَ هو الغني. وهذا ممّا لا يقبل به لغويو البيضان. فالمُكثِرُ عندهم "كثيرُ الأخبار"، يعني السمج، ثقيل الهوى، الفَظّْ، وهو أيضاً عكس ما عند الأصمعي،الذي قد يعني بـ"كثير الأخبار" الأديبَ الطريف. إذ تجدُر الإشارة إلى أن الشاعر المكثر هو خلافُ الشاعِر المُقِّل. مثلاً أبو العتاهية مُكثر. أما المرقّش الأكبر فمقّل. وكان يمكنُ لزهير بن أبي سلمى أن يكون مُقِلاًّ، إذ لم يكن يقول قصيدة إلا مرّةً واحدة في العام. ولكنّ المشكلة أنه كان مُكثِراً في العمر.

المهم أن المُكثِرَ عند البيضان ليس محموداً. أولاً هو مقسول (=مغسول)؛ وبدورها فليست الـ(ـغـ)سلة، رغم أنّها تتقاطع مع النظافة، حميدة. ذلك أن البيضان عرفوا أنهم إذا غسلوا الأشياء (التمر مثلاً او "النيلة") ذهبت نكهتُها. وثانياً هو يدسُّ أنفه فيما لا يعنيه (مع دسّه طبعاً فيما يعنيه. وليس هنالك شيء لا يعنيه. ولا توجد بئر ليس له فيه دلو و"خطية"). ثم إنّه، ثالثاً، "طويل الكرّة" (وعلينا أن نُضيف بأنه خاليٌّ من الدّسم). والكرّة هي الإعادة. والإعادة هي "الرّدْ"، وبالتالي فهو "ردّادْ" و"بهبارْ". فيُعيد أفعاله وأقوله ويعيد إعادتها. وهي أفعالٌ قلنا للتّو إنها ليست ظريفة. عموماً: يتطاير رذاذ فمّه بلا طائل.

ويميِّزُ البيضان بحذاقة بين الكلام والقول. فأما الكلام فهو بالمرّة، إن لم يكن بالإشارة. وأما الثرثرة فهي من الإعادة ومن الكرّة. وبالتالي يُقال عن الثرثار إنه "ردّادْ". وعن الحكاية إنها "امردّة". أما عن الوعود الباطلة والكلام الخاوي فهو "إلاّ الرّدّْ" أو "إلا لِمرادْ". ويجب التمييز بين "الكّلاّم" و"الرّدّاد" فـ"الكّلاّم" أريبٌ حاذق؛ أما "الرّدّادّْ" فهو كثيرُ الكلام بلا فائدة. وقد تقرأ له المقال تلو المقال بلا فائدة تُجنى.

المُكثِرُ عند البيضان يُعاقب على حدِّ جرمه. فإذا كانت جنحته الهذر فإن عقوبته الانتباه له. ويؤكِّد البيضان دوماً أنّه "يُنتَبَهُ لمن أكثَر" (اللي كثّرْ ينفطَن لُ). وهذا شبيه بما اقترحه نصر الدين جحا بمكافأة التشجيع بسماع صرير النحاس أو بمرق بخار الحساء. الجنحة أدبية، وبالتالي فالعقوبة من جنسها.

مسألة: هل المُكثِرُ هو اللّحلاح؟ "قُلْ الروح من أمرِ ربِّي". ما نعرفه أن الفوارق ضيّقة هنا. أولاً كلاهما طويل الكّرة. كلاهما مخبوش. وردّاد. وقد يبدو اللحلاح مهتماً بالخصوصيات وبفرض الرقابة الاجتماعية. فهو مطاوع ولكّن باللسان والحكاوي. أما المُكثِرُ فلا تُشترطُ فيه النميمة. وقد يكون كاتبَ رأي يتناول الرأي العام، ولكن بالإسهال والإسهاب والكرّة وإعادة الكرّة.

والله أعلم

هذه المادة جزء من أرشيف 28 نوفمبر، وتُعرض كما نُشرت أول مرة.

اقرأ أيضا

خيام معروضة للبيع في سوق الخيام قرب مسجد بنواكشوط

داعية شاب بمسجد " الزاوية " يثير ضجة بعد إبطاله للذبح عند القبور

أثارت درس ألقاها الداعية الشاب المعروف ب " لمين قبيل خطبة الجمعة بمسجد " الزاوية بكارفور " حفيظة بعض المصلين من كبار السن بعد إبطاله الذبح عند القبور والاستجداء…

أرض صخرية وشجيرات قرب لعيون العتروس

ساعتي تستطيع شرائكم / حنان محمد سيدي

ساعتها لا تقل عن خمسين ألف أوقية ، دائما تتبجح بأنها لاتتنازل عن ماركة " جيس الإيطالية العالمية " الشهيرة في عالم ساعات السيدات، ثمن ساعة السيدة المصونة يضاهي مصروف…

نهر السنغال من على متن عبّارة روصو

النفايات تتصدر المشهد اللبناني وابوفاعور ينفي عدواها

عادت من جديدة إلى الواجهة أزمة النفايات في لبنان بعد أقل من سنة على اجتياحها للساحات العمومية و الأزقة . لتعقد الوضع في لبنان " البلد الذي لا يكاد يخرج من أزمة إلا و دخل…

قافلة جمال في عرق أمطليش

زعيم سياسي معارض يعتذر عن مشهد يضم أحد مشاهير الموتى

اعتذر زعيم حزب تواصل المعارض الاستاذ محمد جميل منصور عن صلاة سابقة له خلف الزعيم الراحل معمر القذافي في نواكشوط، وكتفى ولد منصور في تعليق على إدراجة على الفيس بوك للكاتب…