28 نوفمبر
الأخبار

روح الكارثة

من أرشيف 28 نوفمبر4 د للقراءة

تخيلت مرة ماذا سيحدث حين أفقد الذاكرة .
وتخليت حزن من قدر أو سيقدر أن ألعب دورا مهما في حياتهم .
لاشك أن وضعا كذلك سيكون محزنا لهم .
فحين ترى ذاكرة كانت عامرة بك ، لم تعد تميز بينك وبين الغرباء .
أو مقلا كانت تشع بحبك ، وهي الآن تنظر إليك دون أن تحط على ملامح وجهك .
 لاشك سيعتصرك الألم لما آلت إليه الإرادة والمشاعر من موات .

أعتقد أنكم تخيلتم الآن ذات الموقف وأنتم تتهجون هذه المقدمة .
 دعوني أخبركم إخوتي أننا نعاني من ذلك المرض الآن ونحن نناقشه كاحتمال .

يمكن لأي أمة أن يسوء طالعها إبان حقبة من تاريخها ، أو تبتلى بنجاعة وسيادة أسوأ قيمها وأفردها ونخبها .

لكنها تظل تحت وطأة النحس تلك ، تتمتع بحسها الكامل ومشاعرها الغاضبة والمكبوتة ضمن وضع لا تكملك حولا ولا قوة لتغييره .

مما يميز فترات الغُلب تلك هو أنها تعمل على إنماء ذاتها وتخلق ثقافتها الحاضنة وتبني أعشاشها لتتناسل بسلام ، وبعيدا عن أعين المتطفلين .

الكارثة ليست ما يحصل في ظاهر الواقع المادي ، وإنما في مخبوء الواقع النفسي .

دعوني لا أخبركم بما نحن فيه على مستوى المشهود والمعلوم .
 فلا أحد منكم يمكن يختلف مع آخر عليه .

لكنني سأتساءل عن مدى معرفتنا بكارثتنا المخبوءة في حيزنا النفسي والثقافي .

قابلت الكثير من الناس وتحدثت كثيرا عن طرحنا في المشروع الوطني ، وكانت الأفكار غالبا مما يحيل إلى التقارب ، فنحن جيل نشأ في وضع واحد وغذته أثداء أزمة واحدة ، ونحن بذلك نمتلك شكل حلم واحد .

ليس هذا محل الإشكال .
 قد توقعون ضمن ظروف طبيعية أن يتوحد أصحاب الرؤية الواحدة والحلم الواحد والتوجه الفكري الواحد ، ضمن مشروع واحد .

لكن ذلك يحدث حين تكون الكارثة سطحية ومحدودة الأثر ضمن الحيز المادي .

لكنها حين تضرب بثقلها في المستوى النفسي ، تُحدث بعدا منطقيا للتفكير ، ويظل رغم منطقيته معتلا بروح الكارثة وعرضا من أعراضها.

لنبسط الأمر ...
 عندما تتحدث إلى شاب مغلوب على أمره ، لايمتلك من الوطن ما يخسره ، ويرد عليك بأنك مجرد صوت آخر ، ورقم آخر ومتاجر آخر ، وهو بالكاد تعرف عليك قبل ساعة .

فإن الصوت الذي تسمعه ليس صوته ، وإنما صوت جلاديه .
إنه يفقد ذاكرته وتحتل ذاكرة المأساة مكانها .
( محزن أن ترى من تحبهم وهم يفقدون الذاكرة )
هو يسمعك جيدا لكنه لا يتذكر إرادته ولا شخصيته .
ذاكرته عامرة باليأس والخذلان ، لدرجة لم يعد يتذكر غير  الكذب والخداع والخذلان وباعة التنظير وسلاق البيان .

إنه يفقد ضميره الحي تحت أقدام الأزمة .
 وهو موظف عمليا ضمن قاعدة تقول " لا شيء يمكن أن يحدث غير ما حدث " .

لقد انتصرت الأزمة علينا لدرجة تولت التفكير والتقرير نيابة عنا .
نحن فاسدون في نظر بعضنا 
ومتملقون حسب اعتقادنا 
 لا تحركنا غير الغايات الفردية ، أيضا حسب مانعتقد .

ما رأيكم الآن لو واجهنا أنفسنا بحقيقة الأمر ، وما يمكن أن نفعل حيال معتقداتنا عن أنفسنا ؟

سأقترح عليكم بعض المقترحات :
دعونا نرتب الأولويات لنضع اليقين قبل الشك ، فما نشهده أولى وأحق بالعلاج والريبة مما نشك فيه .
 لنعالج المعلوم من المأساة ، قبل المنتظر ظنا منها.

المنتظر ظنا هو ما يمكن أن تؤول إليه المشاريع الجديدة من فساد واستغلال وتبعية ، وما يمكن أن يمارسة الشباب من انخراط في دوامة الفساد .

يعني هذا أننا أمام شخصين ، أحدهما نخاف من أن يكون نسخة موروثة من الآخر الذي نعرفه يقينا .

لماذا نترك المعلوم ضمن اليقين ونحاسب المنتظر ضمن الشك ؟

طبعا لن نستطيع أن نجيب إجابة متماسكة وعاقلة ، غير إجابة واحدة ، وهي أننا نفعل ذلك بإرادة وإملاء من المنتفعين من بقاء الوضع على ما هو عليه .

لقد زرع فينا هؤلاء الخوف من بعضنا ، بحيث لا ينتظر أن تقوم قائمة لجديد دون أن يمسها طائف من شيطان الخوف والشك ، فتصبح صعيدا جرفا ، أو يصبح ألقها غورا .

أحبتي الموريتانيين ، دعونا لا ننظر لبعضنا نظرات الريبة والخوف وترقب الشر ، بينما نولي ظهورنا لأحلامنا ونطيل عمر الأزمة لتمحق جيلا آخر من أبنائنا .

امنحوا أنفسكم بعض ماتمنحون لجلاديكم من ثقة .
 وآمنوا بأنفسكم ليؤمن بكم حكامكم .

ندعوكم جميعا إلى عهد بيننا وبينكم أن لا تقف وراءنا أموال المتاجرين بدمائكم ، ولا شيوخ التبعية القبلية ولا ساسة الإنتفاع والإنتجاع .

وحين يراودكم فينا شك ، امنحوا أنفسكم فرصة إلقاء نظرة على ما أنتم فيه مما لا شك فيه .

دعونا نتقابل ولا ينظر بعضنا إلى بعض بعين المشككين والمحبطين والمرتزقة .

دعونا نستخدم عيوننا الباصرة وبصائرنا ونحن نتحلل من عبئنا النفسي ، وإرث الخوف الذي تملك عقولنا .

لن يكون المشروع الوطني مطية إلا للمحرومين والمنكوبين بوطأة الظلم والإستغلال .

ولن يضر غير المتحذلقين من باعة الوهم ومدمني خرق الخزائن العامة ومختلسيها .

ما تسمعونه هو صوتكم وليس صوتهم 
دعونا نسترجع ذاكرتنا الأخلاقية ، فمن المؤلم أن ننظر لمن أحببناهم وهم لا يتذكرون أي شيء .
 ولا يتخذون قرارا حيال حياتهم .

دعونا نعالج أنفسنا من وقع الكارثة لنتكتل في مواجهتها ، وأن نكتفي بالعقود الستة ، من التخاذل والخوف .

عهدنا معكم باق بقاء حزننا على ألم الفقراء ووطأة حاجتهم للعيش والكرامة .

لا تكتفوا بوضع إعجابات على هذا المنسور أو الثناء عليه .

بل امنحوا رغباتكم حق الحياة بالإسهام في إنجاز ماتحلمون به .

--------------------------------------------------

من صفحة الاستاذ محمد أفو على الفيس بوك

هذه المادة جزء من أرشيف 28 نوفمبر، وتُعرض كما نُشرت أول مرة.

اقرأ أيضا

هضبة آدرار

الجزائر تتجه لتصنيع الأسلحة العسكرية وتصديرها

وكالات (قاسيون)- كشفت وسائل الاعلام يوم الخميس عن قيام الجزائر بإنتاج معدات عسكرية وقتالية محلية الصنع، في إطار سياسة بدأتها منذ أعوام من أجل تحقيق اكتفاء ذاتي من…

سهل رملي في صحراء ولاية آدرار

تونس: تعديل عقوبة استهلاك "الحشيش" للحد من اكتظاظ السجون

أصدرت الرئاسة التونسية الأربعاء بيانا جاء فيه أنه سيتم تعديل معايير إصدار العفو الرئاسي الخاص عن المدانين بجرم استهلاك مادة الحشيشة، وذلك بهدف التوصل إلى حلول من شأنها…

راعٍ صغير مع جمل قرب سيارة في منطقة الزمور شمال بئر أم اكرين

برلمانية إيطالية تتوقع قدوم “ربع مليون” مهاجر من ليبيا

قالت زعيمة حزب التحالف الوطني ـ إخوة إيطاليا، جورجا ميلوني، أن 250 ألف مهاجر في ليبيا من المتوقع وصولهم إلى إيطاليا، بحسب توقعات الحكومة الإيطالية لعام 2017. وأوضحت…

عربات تجرها الحمير على شاطئ سوق السمك في نواكشوط

المغرب.. 3 أسماء قد تخلف بنيكران على حكومة المغرب (صور)

كشفت مصادر مغربية مطلعة لموقع سكاي نيوز عربية، عن ثلاثة أسماء قد تكون الأكثر حظا لخلافة رئيس الوزراء المغربي عبدالإله بنكيران الذي أعفاه العاهل المغربي من منصبه. وأشار…