28 نوفمبر
الأخبار

انطباعات صحفي أجنبي تزامن وجوده في البلد مع ثورة الشيوخ!

من أرشيف 28 نوفمبر3 د للقراءة

كنتُ في موريتانيا، حين رفض مجلس الشيوخ فيها التعديلات الدستورية المقترحة من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم. قال لي صديق موريتاني: ما جرى أمر سياسي مهم، فنحن نملك ديمقراطية تذكّرت، حينها، العبرة التي كان يمكننا استخلاصها، قبل "الربيع العربي" بسنوات، مما جرى في موريتانيا العام 2008، حين قرّر الرئيس المنتخب، سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، أن يقيل قادة الجيش، فرّد هؤلاء بإقالته هو، ولسان حالهم يقول: هل صدّق حقاً أنه رئيس؟ إنه من دون رضانا وحمايتنا وتنازلنا الطوعي عن السلطة لا يساوي شيئاً، وسنريه ذلك كي يصحو على الحقيقة.
هذا ما كان يومها، إذ ذكّرنا الجيش الموريتاني بأن ما جرى عقب إطاحة الرئيس العسكري، معاوية ولد الطايع، العام 20055، وتنظيم انتخابات رئاسية العام 2007، لم يكن تطوراً ديمقراطياً طبيعياً ولا حقيقياً، بل كان "تمثيلية ديمقراطية"، لعب الجيش فيها دور البطل الفعلي، فيما لعب السياسيون دور الدمى والأراجوزات، وحين أرادوا التطاول والمنافسة على دور البطولة، نبّههم الجيش إلى حقيقتهم: لستم إلا أراجوزات.
 كانت العبرة يومها أن الديمقراطية التي تقوم على "تمثيلية" لا يكون لها ضمانات تحمي استمرارها، وتحفظ بقاءها، وتساعد على تجذّرها، بل تكون في مهبّ الريح، مرهونة لأهواء من يملكون القوة والنفوذ، فإن رضوا عنها تركوها تستمر، وإلا قضوا عليها من دون أن يقاومهم أحد، ما يعني أن الديمقراطية لا يمكن أن تكون حقيقية إن لم تكن متجذّرة في ثقافة المجتمع، ومنعكسة بالتالي في ثقافة السلطة. أليست هذه نفسها خلاصة ثورات العرب من ربيعهم المفترض؟ فإلى متى سنظل نعبر التجارب التاريخية من دون أن نتعلم منها؟
شهد العالم العربي تجربتين انقلابيتين، تستحقان الاعتبار بهما في هذا الشأن: في العام 19899 حين عطّلت "ثورة الإنقاذ" تمثيلية الديمقراطية "دفاعاً عن السودان" (!)، وفي العام 2008 حين عطلت عودة الجيش تمثيلية الديمقراطية "دفاعاً عن موريتانيا" (!). في الحالتين، كانت الديمقراطية التي يقدمها الانقلاب العسكري على الاستبداد مؤقتة، مع أنها محروسة بالنيات الطيبة للانقلابيين، ذلك أن هؤلاء الانقلابيين طيبو القلوب، يسلّمون السلطة طائعين، ويعودون إلى بيوتهم، تاركين المجال لانقلابيين آخرين كي يفعلوا ما يشاؤون.
ثم جاءت ثورات الربيع العربي لتعطينا الدرس نفسه، بشكل أكثر عمقاً وألماً ودموية: لا ضمانة للديمقراطية، أيها الناس، ما لم تنبع من داخل  ثقافة المجتمع، ومن تطوره الطبيعي. لهذا، فإن أية ديمقراطية مستحدثة في العالم العربي، بالانقلاب أو بالثورة، تظل في مهب الريح، ما لم تتزامن مع برنامج تربوي وتعليمي، وتشريعات غليظة، تنقل الديمقراطية من النظرية إلى الممارسة، حتى تصير جزءاً من حياة الناس، في البيت والشارع والسوق، فيحملوها معهم إلى السلطة، ولا يرضون إلا بحكم ديمقراطي يتبدّل دورياً.
 على أية حال، لا يمكن أن تكون الديمقراطية مطلوبة لذاتها، وخصوصا في البلدان العربية الفاشلة تنموياً، بل من أجل النهوض والتقدّم والتنمية. أليس غريباً أن يحصل الصراع بين الديمقراطية والانقلابية، في بلدانٍ عربية تعاني مشكلاتٍ جذرية في التنمية؟ علام يتصارع الناس هناك، ما داموا جميعاً؛ ديمقراطيين أو انقلابيين، لا يتصدّون، حين يبلغون السلطة، لمهام تنموية ملحة، تمس حياة الناس اليومية، وصحتهم، والبيئة التي يعيشون فيها، فضلاً عن أن تمس رفاههم؟ ما جدوى كل هذا الصراع على السلطة في بلدان تفتقر إلى الشوارع، والأرصفة، والنظام العام؟
 يبدو كل شيء بمثابة تمثيلية فعلاً: الانتخاب، الديمقراطية، الانقلاب، الثورة. ليس ثمة معنى لكل هذه المفردات، ما بقي الإنسان خارج الحضور التاريخي، متأخراً عن العصر، مفتقراً في حياته اليومية إلى منجزات التنمية الضرورية؛ إذ كيف يمكن استخدام مفرداتٍ سياسية معاصرة، لمجتمعاتٍ تغيب عنها منجزات العصر؟

العربى الجديد + 28 نوفمبر

هذه المادة جزء من أرشيف 28 نوفمبر، وتُعرض كما نُشرت أول مرة.

اقرأ أيضا

صيادون يُخرجون زورقاً تقليدياً مزخرفاً من البحر في نواكشوط

ولد سيدي عبد الله: نستغرب الترويج العلني للغة الأجنبي وثقافته

نظم المركز الموريتاني للدفاع عن اللغة العربية، صباح السبت (25 مارس 2017) بمقره في لكصر مؤتمرا صحفيا، من أجل إنارة الرأي العام حول واقع اللغة العربية في البلد، وقد قدم…

سهل رملي في صحراء ولاية آدرار

انطلاق بطولة للكرة الحديدية بأكجوجت

انطلقت مساء اليوم السبت في نادى الحاس التابع لشركة ام سى ام بمدينة أكجوجت فعاليات النسخة الخامسة لكأس المدير العام لشركة ام سى ام التي تدوم يومين والمنظمة من طرف نادي ام…

نساء يبعن السمك أمام سوق السمك في نواكشوط

اغتيال أسير محرر من قادة حماس في غزة

اغتال مجهولون مسلحون بأربع رصاصات، ليل الجمعة، أسيرا محررا أبعد إلى قطاع غزة من الضفة الغربية، ضمن تفاهمات صفقة تبادل الأسرى التي أبرمت برعاية مصرية في العام 2011. وقال…

وسادة جلدية تقليدية مزخرفة في أطار

بعد ثناء ماكرون على مكانة الجزائر.. مرشحة اليمين المتطرف تثني على المخابرات الجزائرية

اعتادت الجزائر أن تشكل مصدر انقسام عميق بين المرشحين للرئاسة الفرنسية، واعتاد سياسيون جزائريون الانخراط في الحملة بطريقة من الطرق، لكن هذه المرة ارتفع الثناء على الجزائر…