تحديث الإسلام أم تحديث العقل المسلم ؟ | 28 نوفمبر

تحديث الإسلام أم تحديث العقل المسلم ؟

جمعة, 08/11/2017 - 18:05
 عبد الستار القاسم

من المتوقع ألا ينظر بعضهم إلى هذا العمل نظرة نقدية بهدف الرد التحليلي العلمي، بل نظرة استنكارية لا تخلو من الاتهامات. ومن الوارد جدا أن يردد هؤلاء مقولات تتكرر على المسامع حول المثقفين الغربيين أو المتغربين المتأثرين بتقاليد وقيم الغرب والمستشرقين والذين يحاولون دس السم في العسل وتطعيم الإسلام من طرف خفي أو تحت حجج التحديث بأفكار مسمومة. هذا البعض هو الذي يهرب إلى جدلية المستشرقين والقيم الغربية ويتغطى بها لكي لا تنكشف عوراته التي يُظهرها النقاش العلمي.

فكما أن الأمة ابتليت بمن يريد أن ينزع عنها أصالتها، فإنها ابتليت أيضا بمن يصرون على جمودها وتخلفها وضيق أفقها. وكما يحاول النازعون تفريغها من محتواها الفكري وامتداداتها الثقافية بتجييرها تبعيا نحو أمم الغرب، يحاول الجامدون إبقاءها على تخلفها وقتل كل محاولات الانطلاق الفكري والثقافي الذي يجدد لها شبابها. وكما يحاول الطرف الأول تذويبها لتضيع تحت أقدام الأمم التي قطعت أشواطا في التطور المعرفي والتقدم العلمي والتقني، يحاول الطرف الثاني الإبقاء عليها مطية كل من أراد أن ينتصر أو يستمتع بالضحك على بلاهتها.

الأمم لا تحيا بالماضي، ولا تزدهر بالانفصال عن الماضي. فالماضي يشكل حاضنة، وحتى يثمر لا بد للفرخ أن ينطلق بأجنحة تنمو حسب فكر يتفاعل نحو مستقبل يتميز بالتقدم والبناء في مختلف مجالات الحياة. وإذا كان للمستقبل أن يختلف عن الماضي فلا بد أن تشد خيوط الترابط إلى الأمام، وإلا فان حبال الماضي لن تفسح مجالا للتقدم، وإذا كان لنا أن نعقد العزم على الانطلاق فلا مفر من الإقرار بضرورة توفير أجواء التفكير الحر والإيمان بأن الإبداع لا يتحقق إلا مع الحرية وان الإسلام لم يأت ليقيد الإنسان بسلاسل التقليد، بل ليحرره من قيود الزمان والمكان ليكون المستقبل غير الزمان وغير المكان.

الإسقاط والاتهام عبارة عن فكر مظلم لم يأت على الأمة إلا وبالا وظلما وجهلا وهزائما، وهو فكر لا علاقة له بالإسلام مهما حاول أصحابه تزينيه. فقد تمد الزينة بعمره إلى حين، لكن لن يصمد أمام ضغط آمال المسلمين في تغيير ماهم فيه وعليه. ولهذا رأيت إضافة هذا الفصل إلى الكتاب على الرغم من التميز في الموضوع الذي أحسبه لا ينفصل عن الفكرة العامة السائدة في الكتاب.

الإسلام حديث

 تتصاعد وتيرة النقاش حول الفكرة الإسلامية ومدى صلاحيتها للتطبيق في عصرنا هذا، ويزداد الحوار الذي يتطور أحيانا إلى جدل. لعل في هذا خير، فكلما ازداد اهتمام الناس بقضية معينه أو فكرة عكس ذلك رغبة قوية أو استعدادا للوصول إلى نتائج أو حلول، أو على الأقل إلى تطوير المفاهيم وتوسيع الآفاق. تظهر من بين الأفكار المطروحة مسألة تحديث الإسلام أو تجديده ليوائم متطلبات المرحلة ويواكب التطورات الحضارية العالمية. حمل هذه المسألة عدد من المقالات التي لاقت اهتماما من قبل عدد من المثقفين وواجهت أيضاً انتقادا شديداً، بل هجوما من قبل عدد آخر ومن فئات إسلامية. ربما انطلقت فكرة التحديث أساسا بسبب التخلف الذي تعاني منه الأمة والركود الفكري والاضمحلال. وفي هذا حقيقة ما يبرر للمسلمين البحث في سبل الخروج من المأزق. يعاني المسلمون والعرب من الهزائم المتكررة والاضطهاد، ومن الاستهتار بهم واستغلال الثروات والإهانات مما يثير الغيورين على الأمة ومستقبل الأجيال فيدفعهم إلى التفكير بتغيير الأوضاع والكتابة فيما يرونه طرائق مناسبة. على الرغم من أهمية الخروج من المأزق وأهمية البحث فيه إلا أن دقة التعبير قد خانت من يدعو إلى تحديث الإسلام، إذ كيف أجعل الإسلام حديثا أو كيف أجعل القرآن حديثا؟ الكتاب ثابت نصا لا يتغير ولا مجال للتبديل أو الحذف أو الإضافة وإذا كنا مؤمنين بأن الكتاب هو وحي من الله فنحن بالتأكيد مؤمنون بأنه هو الحق، وإذا آمنا أن الكتاب حق فإننا بالتأكيد نؤمن أن الحق لا يحدث ولا يجدد ولا يخضع للتبديل أو التغيير أو الحذف أو الإضافة وذلك بفضل أنه حق، وكل محاولة من هذا القبيل إنما هي محاولة زيغ أو طغيان لا تقود إلا إلى حرف الحق.

الإسلام هو دين الحق، وهو الدين الذي ارتضاه الله لنا، ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وما ورد في الكتاب هو ما أراد سبحانه أن يضعه بين أيدي الناس ليهتدوا به، وهو نهائي. ولهذا ضرب الله لنا في الكتاب من كل مثل حتى تكتمل البينات فلا يكون للإنسان حجة، قال سبحانه: ” ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ” ( الإسراء، 89 ).

المطلوب في هذه المرحلة ليس تحديث الإسلام وإنما تحديث العقل المسلم، أي عقول المسلمين التي تعاني من القدم والجمود. المشكلة ليست في الإسلام وإنما في العقل المسلم الذي يعاني الآن من ضيق الأفق والانغلاق والتمترس خلف الأثر والعنصرية في التعامل. إنه عقل مقيد بأغلال صنعها أصحابه، ويعيش على تقاليد وعادات أكسبها أصحابها صفة القدسية، وعلى فتاوى فقهاء عاشوا أزمنة مختلفة عن زماننا. صحيح أن هناك نفرا من المسلمين، في مختلف الأصقاع والبلاد، يحاولون التصدي لجمود العقل والفكر ويعملون على تحرير العقل المسلم من المقيدات والكوابح، إلا أن المدرسة التقليدية التي وجدت للعادات والتقاليد المختلفة مبررات دينية والتي قدست التراث الفقهي وجعلته جزءا لا يتجزأ من الدين جنبا إلى جنب مع الكتاب ومع ما توارثناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زالت تسيطر على مقومات الفكر الإسلامي وعقله، وتعرقل الانطلاق نحو البحث والتدقيق والاكتشاف.

الإسلام بحد ذاته حديث. إنه حديث الآن وغدا وبعد مئات السنين كما كان حديثا قبل مئات السنين. إنه كذلك لأنه وحي من الله عز وجل الذي صمم الكون وأخرجه حسب قواعد وأسس ثابتة لا تتغير، ونزل الكتاب ليحوي الحقيقة الكونية وما تتضمنه من حقائق مادية واجتماعية  وإنسانية. والمسألة تبقى عند المسلمين الذين فرضت عليهم القراءة وتحصيل العلم أن يتابعوا الجهود لاكتشاف الحقيقة الواردة في الكتاب. ومع تطورهم العلمي وتوسعهم المعرفي يتقدمون عبر السنين في انبثاق تدريجي للحقيقة.

أوحي الكتاب إلى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وأودع فيه الله ما أراد لنا أن نعرفه بلغة عربية بينة وواضحة، وبلغ الرسول ما أوحي إليه، وأصبحت الأمانة بيد المسلمين والمسؤولية ملقاة على عاتقهم. لم تكن الأمانة محدودة بزمان أو مكان بل هي قائمة في كل زمان ومكان إلى يوم الدين، وعلى المسلمين متابعة حملها وأن يستمروا في الدراسة والبحث والعمل، وألا يركنوا إلى مقولات السابقين أو الحاضرين أو اللاحقين. متابعة دراسة الكتاب والتنقيب عن الحقيقة عبارة عن عملية مستمرة لا تتوقف، ووقوفها يعني وقوف المسلمين عند حد معين من الفهم والإدراك، وبالتالي عند حد معين من التطور على مختلف الصعد.

لم تكن صدفة أن أولى آيات الكتاب هي ” اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم. ” بل كانت أمرا مباشرا لسيدنا محمد وللمؤمنين في كل زمان ومكان. الأمر ليس خاصاً ولا مقيدا أو مشروطا، بل عاما موجها لكل فرد مؤمن ومتواصلا وشاملا. إذا كان هناك من قرأ في الماضي فلا يعني أن القراءة توقفت أو أن نتائج قراءة الماضي نهائية ولا مجال لنتائج أخرى. وإذا كان هناك من يقرأ في الحاضر فإن قراءته لا تغني عن قراءة المستقبل.

الأمر يسري على المسلم، رجل وامرأة، شاب وشابة، كهل وعجوز. وهو أمر متصل بالعلم والتربية والتهذيب لكي يبقى المرء متفاعلا مع محيطه وبيئته ومع الكون الذي هو جزء منه. وكل من يحاول عرقلة القراءة إنما يعمل على تعطيل الأمر الإلهي الأول للإنسان والذي هو أساس الانفتاح العقلي والمعرفة والاكتشاف والابتكار والتقدم.

القراءة لا تعني مجرد معرفة الخطوط أو التلاوة أو النطق بما هو مكتوب، وإنما تعني التحصيل العلمي والتوسع المعرفي. إنها التدقيق والبحث والتمحيص بغرض الوقوف على الحقيقة. الأمر الإلهي ليس مقتصرا على تعلم الكتابة أو القدرة على تلاوة كتاب، وإنما يمتد ليشمل معرفة المعاني وفهم المضمون وإدراك النهايات، وليشمل العلم بكافة فروعه. والعلم ضالة قائمة ومستمرة على المسلم متابعتها من أجل فتح آفاق معرفية جديدة.

أتبع الله سبحانه أمره بآيات كثيرة تفرض على المسلمين التدبر والتفكر والتعقل. فمثلا يقول سبحانه ” أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، ” ( محمد، 24 ) ويقول ” قل انظروا ما في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون * ” ( يونس 101 )، ويقول ” بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ” ( النحل، 44 ). وأمرنا الله مباشرة بالتنقـيب والبحث بقوله: ” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ” ( العنكبوت، 20 ). وقال: ” الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ” ( آل عمران، 191 ). وأكد لنا سبحانه أن العلماء هم الذي يعلمون التأويل بقوله ” فأما الذي في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ” ( آل عمران، 7 ). مما يعني أن العلماء هم الذي يواصلون الكشف عن الحقيقة ويستطيعون تدريجيا التقدم في مختلف مجالات الحياة. من الجدير ذكره أن كلمة العلماء لا تعني الفقهاء وإنما العلماء في مختلف التخصصات والمجالات، والفقهاء ليسوا إلا فئة من العلماء. تبيان الحق لا مفر منه في النهاية حيث قال سبحانه: “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد” ( فصلت ، 53 ).

في ذات الوقت قال لنا سبحانه: ” قوله الحق ”       ( الأنعام، 73 ) وقال ” ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون ” ( يونس، 82 ) وقال ” خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ” ( النحل، 3 ). فالحق عبارة عن وجود موضوعي، إنه حق مطلق، ومن شأن المسلم أن يواصل البحث والتدقيق حتى يتطور وعيه بهذا الوجود، وكلما وأصل البحث انبثقت أمامه حقائق جديدة تجعله أكثر قربا من معرفة الحق. أي أن السبيل الوحيد أمام المسلم للتطوير والتقدم هو مواصلة البحث، أما الاعتماد فقط على ما فعله الغير أو على ما توصلوا إليه ليس من الإسلام في شيء. لاشك أن الإفادة من عمل الآخرين مهمة وضرورية لكنها يجب أن تكون نقطة للإنطلاق نحو مستوى علمي ومعرفي أرقى. أما التسليم والاكتفاء بما قام به الغير من سلف صالح أو من أمم أخرى لا يورث إلا الكسل وضيق الأفق والتحجر الفكري وضعف الإرادة والتفتت والهزيمة.

الكتاب هو الحق، والإسلام حديث لأنه دين الحق، وعلى المسلم أن يواصل البحث نحو معرفة الحق. هذا بالتحديد ما يضمن لأمة الإسلام والعقل المسلم الاستمرار في التقدم وتقديم الجديد. إنها النسبية المتمثلة بالإنسان في محاولتها معرفة المطلق المتمثل بالحق الوارد في كتاب الله. الحق ثابت لا يتغير، وإنما النسبية هي التي تتغير بسبب حركتها الدؤوبة للصعود نحو معرفة الحق. فكلما بحث الإنسان وقرأ واستقصى تكشفت أمامه حقائق جديدة تضعه على مرتبة معرفية أعلى مما كان عليه، وسيستمر هكذا في رقي مستمر. أي أن العقل الإنساني النسبي المحدود ضمن وجود مادي يبقى فاعلاً في بيئته ومحيطه سعياً نحو المعرفة الأرقى والحياة الأفضل، إنه في جدل مستمر مع واقعه وصاعد إلى الأعلى نحو الحق المطلق.

هذا بالضبط ما نعنيه بالتحديث والتجديد. إنه العقل المسلم الذي يلتزم بأوامر الله فيستمر بالبحث والتقصي والاستنباط ما استمرت الحياة على الأرض. ولأن العقل النسبي ( المعرفة الإنسانية ) لا يمكن أن يحيط بعلم الله كله، أي بالحق المطلق. لأنه نسبي فانه لن يصل أقصى حد من المعرفة مهما استمرت الحياة. أي أن تطوره يبقى مستمراً ومعه تتطور الحياة في كافة أوجهها.

الحق خير، وانبثاقه التدريجي أمام الإنسان لن يؤدي إلا إلى الخير. أي أن جدل العقل الإنساني مع محيطه لن يقود إلا إلى خير. إنه جدل صاعد يكون فيه الإنسان فاعلا لا موضوعا.

وَهَم  المسلمين

وقع المسلمون على مدى مئات السنين في وهم استنفاذ البحث عن الحقيقة. لقد ظنوا أن الفقهاء السابقين قد أشبعوا الإسلام بحثاً وتدقيقاً ولم يتركوا شاردة أو واردة إلا ناقشوها ووضعوا الحلول الشرعية لها. فإذا أراد المسلم أن يعرف موقف الشرع من إشكالية معينة ما عليه إلا الرجوع إلى المراجع والكتب التي كتبها السلف الصالح ويأخذ منها، وهي بالتأكيد لن تخذله لأنها جامعة شاملة. وعليه، فلا ضرورة لمواصلة البحث والتدقيق، فقد تعب السلف الصالح وأراحونا من عناء الدراسة والتفكير.

هذا موقف خطير جدا لأنه عطل عقل المسلم وقضى على مجرد التفكير بأهمية مواصلة البحث في الأحكام الإسلامية، وبالتالي وجه ضربة قوية لجهود الاكتشاف والابتكار والإبداع، وأظهر الإسلام وكأنه غير قادر على معالجة شؤون الإنسان مع تطور حياته المادية والإجتماعية والإنسانية، وأنه لا يملك إلا حلولا كانت صالحة لفترات معينة من الزمن. وبدل أن يكون الإسلام المحرك الذي يقود المسلمين إلى الأمام، أخذ المسلمون يشدون الإسلام إلى الخلف ليتناسب مع تخلفهم وقلة حيلتهم وضعفهم أمام الأمم الأخرى.

مع خمول العقل المسلم وتقييده حول المسلمون أعمال السلف الصالح من اجتهادات فقهية في الإسلام إلى الإسلام نفسه. لم تعد محاولات المسلمين الأوائل لفهم الإسلام واستنباط الأحكام مجرد محاولات عظيمة وإنما تحولت لأن تكون جوهر الإسلام، لأن تكون الإسلام نفسه، وبالتالي أصبح الخروج عنها أو تحديها أو الإضافة إليها أو تعديلها دربا من دروب الخروج على الإسلام وإمعانا في جر المسلمين إلى (البدع ) تضلهم وتبعدهم عن دينهم.

كثرت مصادر التشريع وكثرت المذاهب والطرق واختلطت الأمور بحيث غاب ميزان المرجعية في الأحكام من الناحية العملية. صحيح أن المراجع والكتب تقر بأن الكتاب هو مصدر التشريع الأول، وكذلك يفعل الأئمة والوعاظ والخطباء في المساجد، لكن التركيز في إصدار الأحكام الشرعية يعتمد غالباً على مصادر أخرى غير الكتاب وبالتحديد على السنة باتساعها وبما  تشمله من أحاديث ضعيفة وأحاديث آحاد، وعلى اجتهادات واستنباطات الأئمة الكرام من السلف الصالح. هذا ما نخبره من تعاملنا اليومي مع الغالبية ممن يمكن أن نسميهم برجال الدين. حتى أن العديد من المؤلفات الإسلامية الحديثة تسهب في الاعتماد على مصادر الاجتهاد على الرغم من أنها تصدر جدلها أو نقاشها بآية أو آيات من الكتاب الكريم. وكأن آيات القرآن قد تحولت إلى مجرد زينة يفتتح بها الكلام.

لا شك أن السلف الصالح قد قام بمحاولات جليلة في سبيل توضيح الإسلام واستنباط الأحكام الشرعية في مختلف المجالات التي تفتحت أذهنتهم عليها، وقد قاموا بأبحاث جادة ذات مناهج بديعة التركيب والإخراج، لكن جهودهم، كما هي جهود أي جماعة أو مجموعة تبحث في الإسلام في كل زمان ومكان محدودة بمقيدات على رأسها ثلاث: التموج التصاعدي للنسبي وظروف الزمان والمكان والحدود المعرفية. أعمال الإنسان نسبية تتأثر بظروف الزمان والمكان وتقلباتها، وتتأثر بمزاج الإنسان نفسه وانفعالاته واهتماماته. إنها جهود الإنسان الذي يعيش على الأرض ضمن ظروف وأنظمة وعلاقات خاضعة باستمرار للتغير والتغيير. هكذا هي أعمال السلف الصالح وأعمالنا وأعمال اللاحقين. محاولاتنا جميعاً هي محاولات ضمن المفهوم النسبي لفهم وإدراك المطلق الذي هو الحق الوارد في الكتاب، وبالتالي تبقى نتائجها نسبية ولن تكون مطلقة أو نهائية. لكن الفهم الإنساني للمطلق يبقى يتموج بصعود ( أي بهبوط وصعود ولكن بميل نحو الصعود ) بسبب تطور المعرفة الإنسانية وتقدمها، وتتنامى بذلك القدرة على الإدراك. كل محاولة عبارة عن جهد إيجابي تساهم في سمو نقطة البداية للمحاولة التي تلي، وهكذا.

النسبي لا يدرك المطلق، وكل جهود الإنسان نحو فهم الكتاب لن تدرك الحق في النهاية، لكن مستوى الفهم     ( ضمن حدود الإنسان ) يتطور مع استمرار الجهود. والحق حسب ما ورد في الكتاب، لا يدرك إلا عندما يصبح ذلك الجزء من عالم الغيب الذي حدثنا الكتاب عنه عالم شهادة بالنسبة للإنسان وذلك يوم القيامة. يقول سبحانه: ” يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا * ذلك يوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا ”   ( النبأ، 38-39 ). وقال أيضا: ” بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله، كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ” ( يونس، 39 ). أما آية الكرسي فنفت أن يحيط الإنسان بعلم الله، وأنه لا يحيط بشيء إلا بما شاء الله ” الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي  العظيم ” ( البقرة، 255 ).

بناء على ما ورد في الكتاب، وحسب منطقي النسبية والمطلق، لا يستطيع أحد كان مسلماً أم غير مسلم أن يدعي معرفته بالحقيقة المطلقة، لكنه، بلا شك يستطيع أن يتحدث عن اكتشاف حقائق جزئية يمكن ربطها بحيث تكون هناك نظرية دون أن يقطع تماما بإطلاق صحتها. ولا يجوز لمسلم من السابقين أو اللاحقين أن يتعامل مع استنباطاته واكتشافاته واجتهاداته على أنها الإسلام نفسه وأن يضعها بمنزلة مع الكتاب و مع ما صح مما توارثناه من السنة.

ليس  في هذا تقليل من شأن المجتهدين والباحثين من السلف الصالح ولا من قيمة أعمالهم الخالدة لأن المراد والمطلوب هو نزع مبررات تقييد العقل المسلم ووضعه أمام مسؤوليته مباشرة، وأن حسن صنيع الأجداد لا يبرر نوم الأبناء ولا يعفيهم من مواصلة  حمل الأمانة.

تتعزز هذه النتيجة في أن ظروف الزمان والمكان تؤثر في تشكيل اهتمامات الناس وتفاعلاتهم وطموحاتهم ونظراتهم الجزئية والشمولية للأمور. تفاعل انسان مع ظروف زمانه ومكانه في حركة دائمة وجدل مستمر لا يتوقف. حصيلة التفاعل والجدل بالنسبة لشخص أو جماعة من الناس يعيشون ظروفاً زمانية ومكانية معينة في حركة دائمة وجدل مستمر لا يتوقف. حصيلة التفاعل والجدل بالنسبة لشخص أو جماعة من الناس يعيشون ظروفاً زمانية ومكانية معينه لا تتطابق بالضرورة مع تفاعل شخص أو مجموعة من الناس يعيشون ظروفاً مختلفة، ولا يمكن تطبيق الحصيلة الأولى على أنها بالضرورة حصيلة الثانية. ولهذا جعل الله آياته مادة للبحث العقلي لكي يستمر تقدم الفهم الإنساني لخلق الكون. قال تعالى: “إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون” (البقرة، 164). وحذرنا من تجميد العقل بقوله: ” إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ” (الأنفال، 22). ودعانا إلى التفكر بقوله: ” قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي، قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ” ( الأنعام، 50 ).

هذا فضلاً عن أن قدرات الناس في البحث والاستنباط مقيدة بالحدود المعرفية للزمان والمكان. المرء ابن عصره، وثقافة عصره تشكل قالباً، ليس بالضرورة جامداً، لثقافته، وإبداعه ينطلق أساسا من مقدار العجز الذي يلحظه في مجتمعه. الحدود المعرفية تشكل أرضية لطاقة المرء المعرفية وقدرته العلمية، وأعمال الإنسان لا تقوم عادة حسب المعايير العلمية والمعرفية لعصر آخر وإنما للعصر الذي عايشه. هكذا هو شأننا وشأن السلف الصالح الذين قرأوا ودرسوا. عاش أجدادنا أزمنة ذات حدود معرفية صبغت طاقاتهم المعرفية وقدراتهم العلمية، وأبدعوا ضمن هذه الحدود.

إغفال المسلمين لهذه القضايا أوقعهم في وهم استنفاذ البحث والتدقيق فظنوا أن فهمهم للدين قد بلغ حدوده القصوى. وبهذا وقعوا في الباطل ولم يتمشوا مع قضاء الله في استمرار النظر في آيات الله، وظنوا أن مجرد الإعجاب بهذه الآيات يغني عن البحث فيها. قضى الأمر الإلهي على المسلمين أن تكون القراءة مستمرة وألا يتوقفوا عن سعيهم العقلي والفكري. قال تعالى: ” بل هوآيات بينات في صدور الذي أوتوا العلم ” ( العنكبوت، 49 ). وقال: ” هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون ” ( غافر، 67 ). أما الذين يعطلون العقل ولا يكلفون أنفسهم عناء التعقل فقد قال فيهم سبحانه: ” وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ” ( يونس، 100 ). وقال: ” أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ” ( الفرقان، 44 ).

التحصيل العلمي والمعرفي لا يتوقف عند حد، وتطور الفهم الإنساني لأحكام الله وآياته لا ينتهي عند حد إلا بخصوص تلك الأحكام الشرعية  التي وردت قاطعة مانعة في الكتاب وما فسرها من السنة مثل أحكام الإرث والصلاة والحج. لو كان ينتهي التحصيل والفهم لما قضى الله على المسلمين بالعلم ولما رفع العلماء درجات. فما دام هناك إنسان على الأرض، يبقى القضاء قائماُ ولا يحق لأحد أن يوقفة بأي شكل من الأشكال وتحت أي ذريعة كانت. الاستمرار في النظر والتدبر حكم من أحكام الإسلام والعمل على تعطيله عبارة عن تعطيل للعقل المسلم واعتداء على حكم الله.

الفقه والعلم

 أدى تعطيل العقل المسلم إلى تركيز المسلمين على زاوية علمية واحدة وهي زاوية الفقه الإسلامي الخاص بالحلال والحرام دون الزوايا الأخرى مثل الخلق والكيمياء والرياضيات والإحصاء والاجتماع، الخ. فإذا راجعنا الأدبيات الإسلامية الحديثة نجد أنها عنت في الغالب بقضايا الحلال والحرام وأتت في كثير من الأحيان متشابهة في مواضيعها حتى أن بعض الكتب تكاد تخلو من أي جديد. صحيح أن المسلمين الأوائل قد قادوا الأمم في العلوم الطبيعية والجغرافية والفلكية، لكن المسلمين اللاحقين لم يكملوا المشوار، وبقيت الجهود الإسلامية نحو اكتشاف قوانين الطبيعة والاجتماع وبناء الشخصية محصورة تقريباً في تلك الفترة الذهبية من التقدم العلمي في النصف الأول من الخلافة العباسية. انصبت جهود إسلامية ضخمة على فهم التشريع وإدراكه وكان الإنتاج الأدبي في الأمور الفقهية غزير جداً. تعددت الاجتهادات والمذاهب الفقهية وكتبت الكتب والمجلدات التي تزخر بها المكتبة الإسلامية.

التكامل في فهم الدين الإسلامي حيوي وأساسي في تطوير المفهوم الإنساني للقدر والقضاء. الفقه الإسلامي يختص بالحلال والحرام الذي ينبثق أساسا من فكرة الحق والباطل التي تحكمها في طياتها النظم التي خلق الله الكون بمجمله ومفرداته حسبها والعلاقات التي تحكمها. فكرة الحق هي المعبر الأول عن الحقائق التي تحكم الأحياء بما فيها الإنسان وكل مكونات الكون الأخرى، وما عداها هو الوهم، هو الباطل. ضمن هذه النظم القائمة بالحق تقع فكرة الحلال والحرام والتي تخص الإنسان مباشرة في علاقاته الداخلية والخارجية. وإذا شئنا أن نفهم الحلال والحرام بمعزل عن الحق والباطل فإننا نخرج عن الإطار الإسلامي في المنهج العلمي.

وهذا  ما تبينه الآية الكريمة: ” أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ” ( المائدة، 48 ).

يتحدث القرآن عن آيات الله ويضرب لنا الأمثال ويرسي لنا قواعد البحث من أجل تطوير معارفنا وعلومنا في مختلف المجالات، لكننا لم نبذل الجهد الكافي للكشف عما تنطوي عليه هذه الآيات. لقد بذلنا جهودا ضخمة عبر قرون في البحث في أمور يمكن أن نتعلمها في أقل من ساعة من الزمن مثل مبطلات الوضوء وكيفية الصلاة وما يمكن أن يظهر من جسد المرأة أو الرجل، لكننا بذلنا جهدا ضعيفا في المجالات العلمية مثل فوائد العسل كما ورد في القرآن أو الظل الذي مده الله وجعل الشمس عليه دليلا.

والآن ينظر بعضنا نحو علماء العالم ليروا ماذا يكتشفون فيسارعون إلى الإعلان عن أن اكتشافاتهم قد وردت في القرآن قبل أربعة عشر قرنا. بالتأكيد ليس هذا هو الإسلام. الإسلام هو الذي يضع المسلمين في مقدمة الأمم فيكتشفون ويقدمون الجديد باستمرار فيعم الخير على جميع الناس. فهل نحن هؤلاء؟

جهودنا الكبيرة في القضايا الفقهية أدت إلى تراكم الأدبيات وخلقت نوعا من التعقيد الديني وعدم الاطمئنان إلى صحة ما يقوم به الإنسان. خلقت هذه الأمور تعقيدات ناقضت تماما مقولة أن الدين يسر. أهتم المسلمون بتفاصيل الحركة في الصلاة وتفاصيل اللباس وتفاصيل الصدقة، الخ، حتى بات المسلم مثقلا بتعليمات تستهلك معنوياته ولا تقدمه خطوة واحدة إلى الأمام. هذا في حين أن العلوم التي من المفروض أن تقود المسلمين إلى إيمان تأكيدي عانت من الإهمال والقليل من الاهتمام، وتعرض بعضها إلى هجوم بعض رجال الدين والفقه.

قاد التركيز الفقهي وتحويل تراثنا الفقهي الذي هو لا شك زاخر بالمعلومات والتفصيلات وغني بالفوائد بالنسبة لنا إلى دين يصعب تمييزه عن الكتاب وما يفسره من السنة إلى خطر كبير كان من شأنه تعطيل العقل المسلم إلى درجة كبيرة وإلى تحويل الدين إلى قواعد فقهية تختص بسلوك يرتكز على العبادات المباشرة ( الشعائر )، وإلى إبعاد المسلم عن التطوير العلمي الذي يشكل قاعدة التقدم المادي للأمم. فظن كثير من المسلمين، إن لم يكن أغلبهم، أن العبادات المباشرة كالصلاة والصوم هي الطريق الأقصر إلى الجنة والتي هي هدف المسلم في النهاية. بينما لم يعلم هؤلاء، إن علموا تجاهلوا، أن الدين متكامل وأن التقصير في زاوية لا يعوض. وكأنهم لا يعون أن الله سبحانه قال: ” … وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ” ( آل عمران، 7 ). وقال: ” ..يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير ” ( المجادلة، 11 ).

        المسلمون سيبقون خلف الأمم إن لم يحموا عقولهم من معتقدات صنعتها أيديهم. الإسلام لا يكبل العقول وإنما يطلقها ولا يمنع التفكر بل يشجعه، ويحض على التدبر والنظر. وقد وضع الإسلام العلماء في أعلى المراتب وهم الذين يستخدمون عقولهم ومختبراتهم وميادين البحث من أجل الوصول إلى الحقيقة. وهم الذين يستطيعون باكتشافاتهم إزالة ما عسر على المسلمين فهمه من الكتاب خاصة مما تشابه منه فيؤكدون على معجزة الإسلام التي تنبثق مع الزمن تدريجيا مع التطور العلمي للإنسان. الإسلام وضعنا على طريق الهداية، ولنا أن نقرر أن القلوب التي في الصدور لا أقفال لها.

 كاتب فلسطيني

للإعلان على الموقع : 46828103